وقد قال الشوكاني_ رحمه الله_: [ وما أشنع ما قاله هؤلاء الجاعلون حكمَ الله عز وجل متعددًا بتعداد المجتهدين, تابعًا لما يصدر عنهم من الاجتهادات, فإن هذه المقالة مع كونها مخالفة للأدب مع الله عز وجل, ومع شريعته المطهرة: هي_ أيضًا_ صادرة عن محض الرأي الذي لم يشهد له دليل, ولا عضدته شبهة تقبلها العقول, وهي_ أيضًا_ مخالفة لإجماع الامة_ سلفها, وخلفها_ فإن الصحابة, ومن بعدهم في كل عصر من العصور ما زالوا يخطئون من خالف في اجتهاده ما هو أنهض ممّا تمسك به, ومن شك في ذلك, وأنكره: فهو لا يدري بما في بطون الدفاتر الاسلامية بأسرها من التصريح في كثير من المسائل بتخطئة بعضهم لبعض, واعتراض بعضهم على بعض ] (1) .
ــ ولقد كان الأئمة الكبار_ رحمهم الله_ كلهم ينهون أصحابهم عن تقليدهم كما كانوا يأمرونهم بطلب الحق بدليله من مظانه، وستأتي معنا نصوصهم في المَعْلم الثالث_ إن شاء الله_: وهذا صريح منهم في كون الحق في نفس الأمر: واحدًا، لا يتعدد .
ـ كما كان هؤلاء الأئمة الكبار يرجعون في أحيان كثيرة عن كثير من أقوالهم التي كانوا عليها ممّا اصطلح عليه بـ"تغير الاجتهاد"، وهذا وحده من أظهر ما يكون دلالةً على أن الحق في ذاته: واحد، لا يتعدد، وهو ما يسعى المجتهد لإدراكه بأقصى ما يستطيع، ولذا: يرجع عمّا كان عليه إذا تبين له أن الحق بخلافه، ولو كانت الأقوال المختلفة كلها حقًا وصوابًا، وكان كل مجتهد مصيبًا، وكان الحق في نفس الأمر يتعدد: لما كان لهذا الرجوع معنى، وهذا ممّا يقترب من القطع، والله أعلم .
(1) "إرشاد الفحول/438".