والصواب ممّا اختلف فيه وتدافع: وجه واحد، ولو كان الصواب في وجهين متدافعين: ما خطّأ السلف بعضهم بعضًا في اجتهادهم، وقضائهم، وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشيء، وضده: صوابًا كله، ولقد أحسن القائل:
إثبات ضدين معًا في حال أقبح ما يأتي من المحال
ومن تدبر رجوع عمر إلى قول معاذ في المرأة الحامل، وقوله: لولا معاذ هلك عمر: علم صحة ما قلنا ...
ثم ذكر_ رحمه الله_ عدة أمثلة من رجوع الصحابة_ رضوان الله عليهم_ لقول بعضهم البعض إلى أن قال:
وفي كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك: أن ترجع فيه إلى الحق، فإن الحق: قديم، والرجوع إلى الحق: أولى من التمادي في الباطل .
وروي عن مطرف بن الشخير أنه قال: لو كانت الأهوآء كلها واحدًا: لقال القائل: لعل الحق فيه، فلما تشعبت وتفرقت: عرف كل ذي عقل أن الحق لا يتفرق ...
وقال أشهب: سمعت مالكًا يقول: ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان: لا يكونان صوابًا جميعًا، ما الحق، والصواب إلا واحد، قال أشهب: وبه يقول الليث ... ] (1) .
ــ قال أبو إسحاق الشيرازي_ رحمه الله_:[ مسألة: الحق من قول المجتهدين في الفروع: واحد, وعلى ذلك دليل يجب طلبه وإصابته. وما سواه: باطل ...
ويدل عليه إجماع الصحابة_ رضي الله عنهم_ ...
ثم ساق_ رحمه الله_ بعض الآثار عن الصحابة كالتي ذكرناها آنفًا, ثم قال:
وهذا إجماع ظاهر على تخطئة بعضهم بعضًا في مسائل الاجتهاد: فدل على أن الحق من هذه الأقوال في واحد, وما سواه: باطل ] (2) .
(1) "جامع بيان العلم2/87: 89".
(2) "التبصرة/501".