* وقوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51] .
ــ ونكتة المسألة: أن مفهوم"الانتصار"في أذهان الناس يختلف عنه في شرع الله, ودينه, فحيث لا يعرف الناس"الانتصار"إلا في صورته المادية الصرفة من الغلبة, والعلو باليد؛ فإن"الانتصار"في شرع الله, ودينه له صور أخرى لا تقل في كونها انتصارًا عمّا هو مقرر في أذهان الناس بل منها ما هو أجلى, وأظهر, وأعمق في إفادة حقيقة الانتصار الذي يحبه الله, ويرضاه ألا وهو: الثبات على أمر الله الحق, فهذا الثبات على التحقيق: هو أجلى, وأظهر, وأعمق, وأعز انتصار يحققه المؤمن في مواجهة أعداء الله.
وإن كان الانتصار المادي بالعلو, والغلبة باليد على أعداء الدين: مقيّد بحدود الزمان, والمكان؛ فإن الانتصار بالثبات على الحق في مواجهة الأعداء مع عظمة, واشتداد الفتن, والمحن, والإحن, والابتلاء يتجاوز_ بلا ريب_ حدود الزمان, والمكان إلى آفاق أرحب, وأوسع بل إلى آفاق لا تخطر لأصحابه ببال أو خاطر مع كونه متجاوزًا_ بيقين_ لحدود عالم الشهادة بأسره.
ـ وتأمّل قوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ
وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 1_ 3] .
حيث حكم الله تعالى بالخسران على جنس الإنسان ثم استثنى الله تعالى من هذا الحكم الكلي مَنْ قام بأمره_علمًا وعملًا, دعوة وجهادًا_, وثبت على ذلك في مواجهة الفتن بصنوفها المحتلفة.
فكانت هذه الآيات نصًا فيما نحن فيه من تقرير كون الثبات على أمر الله: انتصارًا, وغلبة في شرع الله, ودينه وإن لم يكن نصر مادي إذ الاستثاء من الخسران: هو الفوز, والربح, والانتصار بلا خلاف مع عموم الآيات للدنيا, والآخرة.