ــ ثم إن من المقطوع به عند أهل الطائفة المنصورة أن تحقيق الانتصار بالثبات على أمر الله, والاستعلاء بالحق في مواجهة صنوف المحن المختلفة التي يصبها الأعداء عليهم: هو الأساس, والممهّد للانتصار باليد, والسيف, والسنان, فهذا(النصر الأخير: مرتبط بالنصر الأول، فما يتحقق النصر في عالم الواقع إلا بعد تمامه في عالم الضمير، وما يستعلي أصحاب الحق في الظاهر إلا بعد أن يستعلوا بالحق في الباطن.
إن للحق, والإيمان حقيقة متى تجسمت في المشاعر أخذت طريقها: فاستعلنت ليراها الناس في صورتها الواقعية، فإذا ظلّ الإيمان مظهرًا لم يتجسم في القلب، والحق شعار لا ينبع من الضمير: فإن الطغيان, والباطل قد يغلبان لأنهما يملكان قوة مادية حقيقية لا مقابل لها, ولا كفاء في مظهر الحق والإيمان.
يجب أن تتحقق حقيقة الإيمان في النفس, وحقيقة الحق في القلب: فتصبحان أقوى من حقيقة القوى المادية التي يستعلي بها الباطل، ويصول بها الطغيان) (1) .
(إن الصراع, والصبر عليه: يهب للنفوس القوة، ويرفعها على ذواتها, ويطهرها في بوتقة الألم: فيصفو عنصرها, ويضيء, ويهب العقيدة: عمقًا, وقوة, وحيوية: فتتلألأ حتى في عيون أعدائها وخصومها، وعندئذ: يدخلون في دين الله أفواجًا كما وقع، وكما يقع في كل قضية حق يلقى أصحابها ما يلقون في أول الطريق حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم، وناصرهم أشدّ المناوئين, وأكبر المعاندين.
(1) "في ظلال القرآن/2344".