وعليه؛ فهذه الطائفة المؤمنة رغم أنها قُتلت, وتَغَلّب عليها أعداؤها بصورة مطلقة إلا أن الله تعالى قال فيها: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} , وبلا شك أنهم إذا لم يكونوا قد ثبتوا على الحق حتى الموت: لما قال الله تعالى في حقهم ما قال؛ فكان في إشارة الآية القوية: أن الثبات على أمر الله:"ظهور".
ــ غير أنّ الماديين الذي كثفت طبائعهم, وجفت نفوسهم, وغلظت أفئدتهم بما التصقوا من الأرض حتى اكتسبوا من البهيمية صفتها يَغلطون في مسمى"الغلبة"(حيث يظنونها التنعم في أنواع المآكل, والمشارب, والملابس, والمناكح أو لذة الرياسة, والمال, و قهر الأعداء, والتفنن بأنواع الشهوات، ولا ريب أن هذه لذة مشتركة بين البهائم بل وقد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الإنسان؛ فمن لم تكن عنده لذة إلا اللذة التي تشاركه فيها السباع, والدواب, والأنعام: فذلك ممن يُنادى عليه من مكان بعيد.
ولكن أين هذه اللذة من اللذة بأمر إذا خالط بشاشته القلوب: سلى عن الأبناء, والنساء, والأوطان, والأموال, والإخوان, والمساكن، ورضي بتركها كلها, والخروج منها رأسًا, وعرّض نفسه لأنواع المكاره, والمشاق، وهو متحل بهذا, منشرح الصدر به، يطيب له هجر ابنه, وأبيه, وصاحبته, وأخيه لا تأخذه في ذلك لومة لائم حتى أن أحدهم ليتلقى الرمح بصدره ويقول: فزت ورب الكعبة, ويستطيل الآخر حياته حتى يلقي قوته من يده ويقول: إنها لحياة طويلة إن صبرت حتى آكلها ثم يتقدم إلى الموت فرحًا مسرورًا) (1) .
(1) "مفتاح دار السعادة 1/ 35".