فهرس الكتاب
فالعباد بين رجلين: بين من هو على بينة من ربه فيما يأخذ, ويذر, وبين من يتبع هواه, والأول: هو المتبع, المنقاد لـ"الشرع", المُحكِّم له على نفسه, والثاني: المتبع, المنقاد لـ"الهوى", المحكم له على نفسه مع اختلاف أهل هذا القسم في مبلغ"الهوى"المتبع.
ـ فمن هذا الاستعراض يمكن القول بأن أدق, وأجمع تعريف لـ"الهوى"في الشرع هو: تقديم مراد النفس_قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا_ على حكم الشرع (1) .
قال الشاطبي_ رحمه الله_: [جعل الله اتباع الهوى مضادًا للحق, وعدّه قسيمًا له كما في قوله تعالى: {يا دواد إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} الآية, وقال تعالى: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هى المأوى} , وقال في قسيمه: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} , وقال: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} , فقد حصر الأمر في شيئين الوحى_ وهو: الشريعة_, والهوى, فلا ثالث لهما, وإذا كان كذلك: فهما متضادان, وحين تعين الحق في الوحى: توجّه للهوى ضدّه] (2) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [واتباع الأهواء في الديانات: أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات؛ فإن الأول: حال الذين كفروا من أهل الكتاب, والمشركين كما قال تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} ، ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من العلماء, والعباد يُجعل من أهل الأهواء كما كان السلف يسمونهم: أهل الأهواء، وذلك أن كل من لم يتبع العلم: فقد اتبع هواه، والعلم بالدين لا يكون إلا بهدى الله الذي بعث به رسوله] (3) .
(1) وهذا التعريف: أدق ممّا ذكره الجرجاني_ رحمه الله_ في"التعريفات/320", والله أعلم.
(2) "الموافقات2/ 169".
(3) "الفتاوى28/ 143: 144".