ــ ومن أكثر ما يعرض فيه"الهوى": الحبُ والبغضُ, والموالاةُ والمعاداةُ والتي هي من أهم, وأعظم أصول الإيمان, ومعاقده, فجعلها الكثيرون تبعًا لميولهم, وأهوائهم, ومصالحهم لا غير, فحيث كانت الميول, والأهواء, والمصالح: كان الحب, والموالاة, وحيث افترقت الميول, والأهواء, والمصالح: فليس ثم غير البغض, والمعاداة.
و(حب الأشخاص: الواجب فيه أن يكون تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم, فيجب على المؤمن: محبة الله, ومحبة من يحبه الله من الملائكة, والرسل, والأنبياء, والصديقين, والشهداء, والصالحين عمومًا, ولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.
وتحريم موالاة أعداء الله, ومن يكرهه الله عمومًا, وقد سبق ذلك في مواضع أخر, وبهذا: يكون الدين كله لله.
ومن أحب لله, وأبغض لله, وأعطي لله, ومنع لله: فقد استكمل الإيمان.
ومن كان حبه, وبغضه, وعطاؤه, ومنعه لهوى نفسه: كان ذلك نقصًا في إيمانه الواجب, فيجب عليه التوبة من ذلك, والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من تقديم محبة الله ورسوله, وما فيه رضا الله ورسوله على هوي النفس ومراداتها) (1) .
ولابن رجب_ رحمه الله_ هنا كلام نفيس جدًا حيث يقول:
[ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين, وكثر تفرقهم: كثر بسبب ذلك تباغضهم, وتلاعنهم, وكل منهم يظهر أنه يبغض لله, وقد يكون في نفس الأمر معذورًا, وقد لا يكون معذورًا بل يكون متبعًا لهواه, مُقصّرًا في البحث عن معرفة ما يُبغض عليه, فإن كثيرًا من البغض_ كذلك_ إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق, وهذا الظن: خطأ قطعًا, وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه, فهذا الظن: قد يخطئ, ويصيب.
وقد يكون الحامل على الميل: مجرد الهوى, والألفة أو العادة, وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله.
(1) "جامع العلوم والحكم لابن رجب/390".