ـ وقد نَسبَ شيخُ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_ هذا الحكم بعدم تأثيم المجتهد إذا أخطأ في مسائل علمية أو عملية_ وأولى من ذلك: عدم تكفيره أو تفسيقه_: نسب هذا الحكم إلى السلف، وأئمة الفتوى: كأبي حنيفة، والشافعي، والثوري، وداود بن علي، وغيرهم: أنهم كانوا لا يؤثمون مجتهدًا أخطأ في المسائل الأصولية والفروعية، وذكر ذلك عنهم ابن حزم، وغيره، وأنهم قالوا:
[هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين: أنهم لا يكفرون، ولا يفسّقون، ولا يؤثمون أحدًا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية، قالوا: والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية، ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غَوره] (1) .
ــ وأهل الطائفة المنصورة في ذلك: يأخذون الحق من طرفيه: فيعلمون أن الحق: واحد في نفس الأمر، يطلبونه من مظانه بدليله وحجته، فلا يتبعون غير الحق، ولا يطلبون غيره من أقوال الرجال انتصارًا لها، وتقديمًا لها على الحق الذي تعبدهم الله بطلبه واتباعه كما أنهم في نفس الوقت: لا يؤثمون كل مخالف للحق: أخطأ في طلبه.
وهم في ذلك وسط: بين من ضل في أحد هذين الطرفين أو فيهما معًا ممن: جعل قبلته أقوال الرجال: معرضًا عمّا أمر الله به من طلب الحق وتحريه بزعم أن الأقوال كلها حق في نفس الأمر أو ذهب إلى الحكم بالإثم، والفسق، والضلال_ وربما الكفر_ على كل من خالف الحق وأخطأ طلبه.
(1) "الفتاوى 19/ 207".