ــ وبالجملة, فإن (حب الدنيا: أصل كل خطيئة) (1) .
و(حب الدنيا: رأس كل خطيئة بشاهد التجربة, والمشاهدة, فإن حبها يدعو إلى كل خطيئة ظاهرة, وباطنة سيما خطيئة يتوقف تحصيلها عليها: فيُسكر عاشقَها حبُها عن علمه بتلك الخطيئة, وقبحها, وعن كراهتها, واجتنابها.
وحبُها يوقع في الشبهات ثم في المكروه ثم في المحرم, وطالما أوقع في الكفر بل جميع الأمم المكذبة لأنبيائهم إنما حملهم على كفرهم حبُ الدنيا, فإن الرسل لمّا نهوا عن المعاصي التي كانوا يلتمسون بها حب الدنيا: حملهم حبُها على تكذيبهم, فكل خطيئة في العالم أصلها:"حب الدنيا".
ولا تنسى خطيئة الأبوين, فإن سببها حب الخلود في الدنيا, ولا تنسى خطيئة إبليس, فإن سببها حب الرياسة التي هي شر من"حب الدنيا", وكفر فرعون, وهامان, وجنودهما.
فحبها هو الذي عمّر النار بأهلها, وبغضها هو الذي عمّر الجنة بأهلها, ومن ثم قيل: الدنيا خمر الشيطان, فمَنْ شرب منها: لم يفق من سكرتها إلا في عسكر الموتى خاسرًا, نادمًا) (2) .
* عن أحمد بن أبي الحواري, قال: سمعت أبا سليمان يقول:"إذا سكنت الدنيا في القلب: ترحّلت منه الآخرة" (3) .
* وكان الفضيل بن عياض_ رحمه الله_ يقول:"إنما أُتِىَ الناسُ من خصلتين: حب الدنيا, وطول الأمل" (4) .
ــ وأخيرًا, فبهذه الوجوه المتقدمة يتضح أن"حب الدنيا": المانع الحقيقي الذي يَمنع العباد, ويَصدّهم عن القيام بأمر الله إلا من رحم, وأن"حب الدنيا", و"القيام بأمر الله": لا يجتمعان كما لا يجتمع الكفر, والإيمان.
ــ وليس هناك أدق, ولا أجمع, ولا أخوف في بيان أثر"حب الدنيا"على دين العبد من قول الصادق, المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلوات ربي وسلامه عليه:
(1) "شعب الإيمان7/ 323","الزهد للبيهقي2/ 134","الزهد للإمام أحمد/92".
(2) "فيض القدير3/ 368".
(3) "الزهد للبيهقي2/ 135".
(4) "حلية الأولياء8/ 99".