فالطائفة المنصورة لا تعرف الحق بالرجال، وإنما تعرف الرجال بالحق، فالرجال ما هم إلا وسيلة لمعرفة الحق ببيان دليله وما يقوم عليه (1) لا أن الحق يُعرف بهم: فيُدار معهم في جميع أقوالهم, وأفعالهم إذ اتباع الرجال_ أيًّا كان شأنهم من الدين علمًا وعملًا_ بغير حجة قائمة، وجعلهم أنفسهم دلائل على الحق: من أوسع أودية الباطل، ومن أعظم أسباب الضلال فضلًا عن كونه: سبيل ضعاف العقول (2) .
وقد قال ابن عبد البر_ رحمه الله_:
يا سائلي عن موضع التقليد خذ عني الجواب بفهم لب حاضر
وأصخ إلى قولي ودن بنصيحتي واحفظ علي بوادري ونوادري
لا فرق بين مقلد وبهيمة تنقاد بين جنادل ودعائر
تبًا لقاض أو لمفت لا يرى عللًا ومعنى للمقال السائر
فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ مبعوث بالدين الحنيف الطاهر
ثم الصحابة عند عدمك سنة فأولاك أهل نهى وأهل بصائر
وكذاك إجماع الذين يلونهم … من تابعيهم كابرًا عن كابر (3)
ــ وقد اتفق أهل العلم كافة على أن معرفة الحق بالرجال_ وهو: التقليد_: خارج عن طرق العلم وسبله، ممّا هو دال على كون من عرف الحق بالرجال: على غير بصيرة من أمره، وإنما هو لم يزل بعد: في ظلمات الجهل يتخبط:
إذ أجمع العلماء أن مقلدًا للناس كالأعمى هما أخوان
(1) مع كون الاتباع هنا على التحقيق: لدليل الحق الذي قام عليه لا لذات من قال به.
(2) إلا أن يكون معذورًا يجوز له التقليد مع عدم اتباعه لهواه، وتحريه للحق بحسب طاقته، فجاز للضرورة ما لم يظهر له أن الحق بخلافه ما هو عليه، قال ابن تيمية: [أما إن كان المتبع عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل, وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد: فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة، وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق: فهذا من أهل الجاهلية] ."الفتاوى 7/ 71: 72"
(3) "جامع بيان العلم 2/ 115".