ولو صدق أصحاب هذه الدعاوى مع أنفسهم: لاعترفوا أن هذه الدعاوى التي يهرفون بها في وجه الحق وأهله ما هي إلا نتاج الشهوات التي صرعتهم وأسَرَتْهم، وغطّت قلوبهم وعقولهم: فانطلقوا يَرُدّون الحق بمثل هذه الترّهات، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
هذا، مع كون هذه الدعاوى منهم: أكبر دليل على عدم زكاة نفوسهم، وعدم صلاحها لتكون محلًا للحق المقدس الذي أكسبه الله اسمه .
* قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_ في قوله تعالى: { وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا } [ الكهف: 34 ] ، قال: [ فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن، وهما يتحاوران، أي: يتراجعان الكلام بينهما في بعض المجريات المعتادة مفتخرًا عليه: { أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا } ، فخرَ بكثرة ماله، وعزة أنصاره من عبيد، وخدم، وأقارب، وهذا: جهل منه وإلا فأي افتخار بأمر خارجي: ليس فيه فضيلة نفسية، ولا صفة معنوية وإنما هو بمنزله فخر الصبي بالأماني التي لا حقائق تحتها ثم لم يكفه هذا الإفتخار على صاحبه حتى يحكم بجهله، وظلمه، وظنه لمّا دخل جنته، فـ { قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ } ، أي: تنقطع، وتضمحل { هَذِهِ أَبَدًا } : فاطمأن إلى هذه الدنيا، ورضى بها، وأنكر البعث، فقال: { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي_ على ضرب المثل_ لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا } ، أي: ليعطيني خيرًا من هاتين الجنتين .
وهذا لا يخلو من أمرين: إما أن يكون عالما بحقيقة الحال: فيكون كلامه هذا على وجه التهكم والاستهزاء فيكون زيادة كفر إلى كفره .