ففي هذين الحديثين الأخيرين: قبول الحق من كل من جاء به أيًا كان: فقد قَبلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهوديين: الحقَ الذي جاء به كل منهما، ولم يمنعه صلى الله عليه وسلم كونهما يهودًا من قبول ما جاءا به من الحق الموافق للكتاب والسنة.
* وأبلغ من ذلك، وأظهر في أن الحق يقبل من كل من جاء به أيًا كان: ما جاء من حديث أبي هريرة_رضي الله عنه_ في قصته الشهيرة مع الشيطان عندما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ الزكاة، وفي آخره, فقال له:"إذا أويت إلى فراشك: فاقرأ آية الكرسي فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح".
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب يا أبا هريرة منذ ثلاث".
فقال: لا، قال صلى الله عليه وسلم:"ذلك شيطان" (1) .
فكونه شيطانًا لم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبول ما جاء به من الحق هنا، هذا مع قوله صلى الله عليه وسلم في نفس المقام:"وهو كذوب": ممّا هو صريح في أن الحق مطلوب لذاته بغض النظر عن قائله.
* وقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم:"الحكمة: ضالة المؤمن، حيثما وجد المؤمن ضالته: فليجمعها إليه" (2) .
ــ وهناك من الآثار عن السلف: ما هو دال على ذلك، منها:
* عن علي بن أبي طالب_ رضي الله عنه_:"العلمُ: ضالَّةُ المؤمن؛ فخذوه ولو من أيدي المشركين، ولا يأنفُ أحدكم أن يأخذ الحكمة ممَّن سمعها منه" (3) .
(1) "البخاري 2/ 812, 3/ 1194".
(2) "مسند الشهاب 1/ 118"مرسل من حديث زيد بن أسلم، ورواه الترمذي"5/ 51"، وابن ماجه"2/ 1395"بلفظ قريب عن أبي هريرة بسند ضعيف، ويروى نحوه عن أنس، وابن عمر, وانظر:"كشف الخفاء 1/ 435: 436".
(3) "جامع بيان العلم".