فدلت هذه الآية: على أن العلم الذي أنزله الله من السماء: هو العلم الذي تصفو به النفوس وتزكو، وتتخلص به من أدرانها كما أن في تشبيه الله سبحانه وتعالى لهذا العلم بالماء الجاري في الأودية: إشارة لطيفة إلى أن هذا العلم المنزل من السماء إلى الأرض: هو العلم المتحرك، المتفاعل مع الواقع، المتصارع مع الباطل حتى يُغالبه ويُذهبه، ومن ثم: تظهر آثاره في الحياة، وفي النفوس كأثر الماء المتحرك في إزالة العوائق، واكتساح الشوائب .
أما ذاك العلم الجامد، المستكين، الذليل أو حبيس الصدور والجدران هروبًا وخوفًا من مواجهة الباطل في معترك الواقع: فحاشا أن يكون هو العلم المنزّل من السماء إلى الأرض .
قال ابن القيم_ رحمه الله_: [ هذا مثل ضربه الله تعالى للعلم حين تخالط بشاشته القلوب، فإنه يستخرج منها زبد الشبهات الباطلة: فيطفو على وجه القلب كما يستخرج السيل من الوادي زبدًا يعلو فوق الماء، وأخبر سبحانه وتعالى أنه راب يطفو ويعلو على الماء: لا يستقر في أرض الوادي زبدًا، كذلك الشبهات الباطلة إذا أخرجها العلم: ربت فوق القلوب، وطفت، فلا تستقر فيه، بل تجفى وترمى، فيستقر في الوادي: الماء الصافي، ويذهب الزبد جفاء، وما يعقل عن الله أمثاله إلا العالمون ] (1) .
ـ وقد تكرر معنا أن الصراط المستقيم الذي أمر العبد بتكرار طلب الهداية إليه في قوله: { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } : أنه هو: معرفة الحق، والعمل به، أي أنه: الجمع بين العلم، والعمل، فإذا تخلف أحدهما: لم يكن العبد على الصراط المستقيم .
* قال الإمام سفيان بن عيينة_ رحمه الله_:"كانوا يقولون: من فَسَد من العلماء: ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من العُبَّاد: ففيه شبه من النصارى" (2) .
(1) "مفتاح دار السعادة1/16".
(2) "تفسير ابن كثير2/351".