ـ وهذا القول بالانتقاء من الأقوال المختلفة تبعًا لأغراض النفس, وحظوظها بغير طلبًا للحق المترجح: قول ساقط, متهافت, مشعر برقة دين صاحبه, وغلبة نفسه الأمارة بالسوء وقهرها له إذ من له أدنى تأمل في دين الله وشرعه: يعلم أن الشريعة ما جاءت إلا لإخراج المكلف عن داعية نفسه وهواه, وذلك بقهره لسلطان الشرع: فيكون محكومًا لا حاكمًا, والقول بالانتقاء بغير طلب للحق ذاته تحقيقًا لأغراض النفس وحظوظها: ممّا يضاد ذلك بل ويرفعه من أساسه إذ هذا الانتقاء المزعوم: لا يخفى أنه هو عين اتباع الهوى.
قال الشاطبي_ رحمه الله_ وهو يتحدث عن فساد الاختيار من الأقوال المختلفة بغير بحث عن الحق المترجح: [وأيضًا: فإن ذلك يفضي إلى تتبع رُخَص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل، وأيضًا: فإنه مؤدٍّ إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها، لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير: أن للمكلف أن يفعل إن شاء, ويترك إن شاء، وهو عين إسقاط التكليف، بخلاف ما إذا تقيد بالترجيح فإنه متبع للدليل، فلا يكون متبعا للهوى, ولا مسقطًا للتكاليف] (1) .
وقال الباجي_ رحمه الله_: [وكثيرًا ما يسألني مَنْ تقع له مسألة من الأيمان, ونحوها:"لعل فيها رواية؟"أو:"لعل فيها رخصة؟"، وهم يَرَوْنَ أن هذا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو كان تكرر عليهم إنكار الفقهاء لمثل هذا: لما طولبوا به, ولا طلبوه مني ولا من سواي, وهذا ممّا لا خلاف بين المسلمين ممن يُعتدّ به في الإجماع أنه لا يجوز, ولا يسوغ, ولا يحلّ لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق، رضي بذلك من رضيه، وسخطه من سخطه] (2) .
(1) "الموافقات 4/ 134".
(2) "الموافقات 4/ 140".