فإن قال تارك الواجب أو فاعل المنكر: قد قال بهذا: فلان أو ذهب إليه فلان: أجاب عليه: بأن الله لم يأمرنا باتباع فلانك بل قال لنا في كتابه العزيز: { ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } , فإن لم يقنع بهذا حاكمه إلى كتاب الله, وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كما أمرنا الله سبحانه في كتابه بالرد إليهما عند التنازع ] (1) .
ــ تنبيه هام:
يُفرّق أهل الطائفة المنصورة بين نوعين من مسائل الخلاف يخلط الكثيرون بينهما (2) :
ــ النوع الأول: مسائل الخلاف التي يكون الخلاف فيها غير سائغ لمخالفته للكتاب أو السنة أو الإجماع, فمثل هذا الخلاف: غير معتبر, وقد مر معنا قول الإمام الشافعي_ رحمه الله_ لما سُئل ما الاختلاف المحرّم؟.
فقال_ رحمه الله_:"كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيِّه منصوصًا بيّنًا: لم يحلَّ الاختلاف فيه لمن علمه" (3) .
فهذا النوع من الخلاف عندهم: هو الذي يأتي فيه ما سبق تقريره من وجوب الأخذ بالراجح, وحرمة الأخذ بالمرجوح, وعظم جناية, وفسوق من جعل الخلاف هاهنا مبررًا للاختيار كيفما شاء واتفق بغير تقيّد بالدليل الأرجح, ووجوب الإنكار على المخالف فيه .
وقد قال أبو الحسن ابن الحصار المالكي_ رحمه الله_:
فليس كل خلافٍ جاءَ معتبرًا إلا خلافٌ له حظٌّ من النظر (4)
ــ النوع الثاني: مسائل الخلاف التي يكون الخلاف فيها سائغًا حيث لا نص من الكتاب أو السنة أو الإجماع.
قال الإمام الشافعي_ رحمه الله_:"الاختلاف من وجهين: أحدهما محرم, ولا أقول ذلك في الآخر ."
قال: فما الاختلاف المحرم ؟ .
(1) "السيل الجرار4/588: 589".
(2) يراجع ما ذكرناه عند الحديث عن عدم التلازم بين الخطأ, والإثم, وبيان من هو الذي يُعذر باجتهاده وإن لم يصب الحق .
(3) "الرسالة/560".
(4) "الإتقان للسيوطي1/34".