* وقد استحسن الإمام أحمد ما حكي عن حاتم الأصم أنه قيل له: أنت رجل أعجمي لا تفصح، وما ناظرك أحد إلا قطعته، فبأي شيء تغلب خصمك ؟ .
فقال_ رحمه الله_:"بثلاث: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوؤه"، فقال الإمام أحمد:"ما أعقله من رجل" (1) .
ـ وقد ذكر الغزالي هنا ما يصلح أن يكون أصلًا يقاس عليه غيرُه هذا مع صلته الشديدة لما نحن فيه:
قال_ رحمه الله_: [ الباعث للأكثرين على نشر العلم: لذة الاستيلاء, والفرح بالاستتباع, والاستبشار بالحمد والثناء، والشيطان يُلبّس عليهم ذلك, ويقول: غرضكم نشر دين الله, والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترى الواعظَ يَمُنّ على الله تعالى بنصيحة الخلق, ووعظه للسلاطين، ويفرح بقبول الناس قوله, وإقبالهم عليه، وهو يَدّعي أنه يفرح بما يُسر له من نصرة الدين، ولو ظهر من أقرانه مَن هو أحسن منه وعظًا, وانصرف الناس عنه, وأقبلوا عليه: ساءه ذلك وغمّه، ولو كان باعثه الدين: لشكر الله تعالى إذ كفاه الله تعالى هذا المهم بغيره ثم الشيطان مع ذلك لا يخليه، ويقول: إنما غمك لانقطاع الثواب عنك لا لانصراف وجوه الناس عنك إلى غيرك إذ لو اتعظوا بقولك لكنتَ أنت المثاب، واغتمامك لفوات الثواب محمود، ولا يدري المسكين أنّ انقياده للحق, وتسليمه الأمر: أفضل, وأجزل ثوابًا, وأعود عليه في الآخرة من انفراده .
وليت شعري لو اغتمّ عمر_ رضي الله عنه_ بتصدّي أبي بكر_ رضي الله تعالى عنه_ للإمامة: أكان غمُّه محمودًا أم مذمومًا ؟, ولا يستريب ذو دين أنْ لو كان ذلك: لكان مذمومًا لأن انقياده للحق, وتسليمه الأمر إلى مَن هو أصلح منه: أعود عليه في الدين من تكفَله بمصالحِ الخلق مع ما فيه من الثواب الجزيل بل فرحَ عمرُ_ رضي الله عنه_ باستقلال مَنْ هو أولى منه بالأمر، فما بال العلماء لا يفرحون بمثل ذلك ؟! ...
(1) "الإحياء للغزالي1/65".