فمعرفة حقيقة الإخلاص, والعمل به: بحر عميق يغرق فيه الجميع إلا الشاذ النادر, والفرد الفذ، وهو المستثنى في قوله تعالى: { إلا عبادك منهم المخلصين } ، فليكن العبد شديد التفقد, والمراقبة لهذه الدقائق وإلا التحق بأتباع الشياطين وهو لا يشعر ] (1) .
ــ ومن علامات ضعف الإخلاص_ كذلك_ ونقصه: التمسك بالحق وتحريه عندما يكون الحق موافقًا للنفس وما تهواه، فإن كان الحق مخالفًا لهوى النفوس: فالإعراض التام، فلا يُرفع بالحق رأسًا، ولا يُقدّر له قدرًا، وحقيقة الحال هنا: أن المتَّبَع_ أساسًا_: هو أهواء النفوس ورغباتها، فعليها المعوّل، ولها الانتصار، وما الحق هنا إلا لبوس يبرّر من خلاله الهوى ويمرّر .
* قال تعالى: { وَإِذَا دُعُوا إلى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إلى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ }
[ النور: 48_ 51 ] .
قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_: [ { وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ } , أي: إلى حكم الشرع { مُذْعِنِينَ } , وليس ذلك لأجل أنه حكم شرعي, وإنما ذلك لأجل موافقة أهوائهم, فليسوا ممدوحين في هذه الحال, ولو أتوا إليه مذعنين لأن العبد حقيقة: من يتبع الحق فيما يحب ويكره, وفيما يسره ويحزنه, وأما الذي يتبع الشرع عند موافقة هواه, وينبذه عند مخالفته, ويقدم الهوى على الشرع: فليس بعبد لله على الحقيقة ] (2) .
(1) "الإحياء للغزالي4/380: 381".
(2) "تفسير السعدي/410".