فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض .
قال: ردّوا علي الغلام, قال: يا ابن أخي, ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك, وأتقى لربك ...
فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين, استخلف .
قال: ما أجد أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ, فسمى: عليًا, وعثمان, والزبير, وطلحة, وسعدًا, وعبد الرحمن, وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له, فإن أصابت الإمرة سعدًا: فهو ذاك, وإلا فليستعن به أيكم ما أمّر فإني لم أعزله عن عجز, ولا خيانة .
وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين: أن يعرف لهم حقهم, ويحفظ لهم حرمتهم .
وأوصيه بالأنصار خيرًا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم: أن يقبل من محسنهم, وأن يعفى عن مسيئهم .
وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا فإنهم ردء الإسلام, وجباة المال, وغيظ العدو, وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم .
وأوصيه بالأعراب خيرًا فإنهم أصل العرب, ومادة الإسلام: أن يؤخذ من حواشي أموالهم, ويرد على فقرائهم .
وأوصيه بذمة الله تعالى, وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم: أن يوفى لهم بعهدهم, وأن يقاتل من ورائهم, ولا يكلفوا إلا طاقتهم ..." (1) ."
ففي هذه اللحظات الحرجة: لحظات النزع والتي هي أحرج لحظات تواجه المرء, وتتزاحم عليه فيها الأفكار والخواطر: يَضرب لنا الفاروق_ رضي الله عنه_ أروع نماذج الدعوة إلى الدين كله بغير تبعيض, ولا تجزئة, فمع الحرص على تذكير المسلمين بمسائل الدين الكبار, ومقاصده الكلية, وعظيم الاهتمام بأمر المسلمين: لم يغفل عن رؤية الشاب وقد أسبل إزاره, فيطلبه لينهه عن ذلك بقوله:"يا ابن أخي, ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك, وأتقى لربك"كما لم يغفل من قبل وهو من كان يتفقد أحوال المسلمين العامة, وأرامل أهل العراق أن يسوّي الصفوف في الصلاة, ويسد الخلل, فرحمه الله من إمام فرد .
(1) "البخاري3/1353: 1356".