فهرس الكتاب
أمّا أن ينقلب الأصل إلى استثناء, والاستثناء إلى أصل: فهذا أعظم ما يخافه ويحذره أهلُ الطائفة المنصورة على دينهم إذ هو مؤذن بطمس معالم الدين, وتحريفها بالكلية, ولذا: شدّد الشرع تشديدًا عظيمًا كما سبق معنا في وجوب الصدع بالحق, والجهر به على كل من علمه, وأن لا تأخذه في الله لومة لائم, ولا يخشى مع الله غيره .
* وقد كان خالد بن معدان_ رحمه الله_ يقول:"من التمس المحامد في مخالفة الحق: ردّ الله تلك المحامد عليه ذمًا, ومن اجترأ على الملاوم في موافقة الحق: ردّ الله تلك الملاوم عليه حمدًا" (1) .
ــ كما أن العلماء, والأئمة الكبار الذين يأخذ الناسُ عنهم دينهم ثقةً بهم, واتباعًا لهم: لا يسعهم هنا الأخذ بالرخصة, وإنما واجبهم: الأخذ بالعزيمة, والصبر على ما قد ينزل بهم, والتجلد للبلاء, وهذا قدرُهم, ولا يسعهم غير هذا ! .
* لمّا دعي سعيد بن المسيب_ رحمه الله_( للبيعة للوليد, وسليمان بعد عبد الملك بن مروان, قال: لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار .
قال: فقيل: أدخل من الباب, وأخرج من الباب الآخر .
قال: والله, لا يقتدى بي أحدٌ من الناس .
قال: فجلده مائة, وألبسه المسوح ) (2) .
* قال أبو جعفر الأنبارى_ رحمه الله_:"لما حُمل أحمد يُراد به المأمون: اجتزت, فعبرت الفرات إليه فإذا هو في الخان, فسلمت عليه, فقال يا أبا جعفر: تعنيت !, فقلت: ليس هذا عناء, قال: فقلت له: يا هذا, أنت اليوم رأس, والناس يقتدون بك, فوالله, إن أجبتَ إلى خلق القرآن: ليجيبن بإجابتك خلقٌ من خلق الله, وإن أنت لم تجب: ليمتنعن خلق من الناس كثير, ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت, ولا بد من الموت: فاتق الله ولا تجبهم إلى شئ ."
(1) "الحلية5/214","السير4/540","تهذيب الكمال8/172".
(2) "حلية الأولياء2/170".