* عن جابر بن عبد الله_ رضي الله عنهما_, قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب: احمرت عيناه, وعلا صوته, واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش, يقول: صبحكم, ومساكم, ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعيه: السبابة, والوسطى, ويقول: أما بعد, فإن خير الحديث: كتاب الله, وخير الهدى: هدى محمد, وشر الأمور: محدثاتها, وكل بدعة: ضلالة" (1) .
قال النووي_ رحمه الله_: [ قوله:"إذا خطب: احمرت عيناه, وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش": يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة, ويرفع صوته, ويجزل كلامه, ويكون مطابقًا للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب أو ترهيب, ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا, وتحديده خطبًا جسيمًا ] (2) .
وقال المناوي_ رحمه الله_: ["كان إذا خطب", أي: وعظ, وأصل الخطب: المراجعة في الكلام,"احمرت عيناه, وعلا صوته", أي: رفع صوته ليؤثر وعظه في خواطر الحاضرين, واشتد غضبه لله تعالى على من خالف زواجره, قال عياض: يعني بشدة غضبه: أن صفته صفة الغضبان, قال: وهذا شأن المنذر المخوف, ويحتمل أنه لنهي خولف فيه شرعه, وهكذا يكون صفة الواعظ مطابقة لما يتكلم به .
"حتى كأنه منذر جيش", أي: كمن ينذر قومًا من جيش عظيم قصدوا الإغارة عليهم, فإن المنذر المعلم الذي يُعَرّف القومَ بما يكون قد دهمهم من عدو أو غيره وهو المخوف_ أيضًا_,"يقول", أي: حال كونه يقول,"صبحكم", أي: أتاكم الجيش وقت الصباح,"مساكم", أي: أتاكم وقت المساء .
قال الطيبي: شبه حاله في خطبته وإنذاره بقرب القيامة, وتهالك الناس فيما يريهم بحال من ينذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم يقصد الإحاطة بهم بغتة بحيث لا يفوته منهم أن المنذر يرفع صوته, وتحمر عيناه, ويشتد غضبه على تغافلهم, فكذا حال الرسول عند الإنذار .
(1) "مسلم2/592".
(2) "شرح مسلم6/155: 156".