قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_:[ فإن الرأفة, والرحمة يحبهما الله ما لم تكن مضيعة لدين الله ...
والشيطان يريد من الإنسان الإسراف في أموره كلها، فإن رآه مائلًا إلى الرحمة: زيّن له الرحمة حتى لا يبغض ما أبغضه الله، ولا يغار لما يغار الله منه .
وإن رآه مائلًا إلى الشدة: زيّن له الشدة في غير ذات الله حتى يترك من الإحسان, والبر, واللين, والصلة, والرحمة ما يأمر به الله ورسوله ...
فالمؤمن بالله واليوم الآخر: يفعل ما يحبه الله ورسوله, وينهى عمّا يبغضه الله ورسوله, ومن لم يؤمن بالله واليوم الآخر: فإنه يتبع هواه: فتارة تَغلب عليه الرأفة هوىً, وتارة تغلب عليه الشدة هوىً: فيتبع هواه في الجانبين بغير هدى من الله { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } ] (1) .
ـ ولذلك, قال الإمام ابن القيم_ رحمه الله_ في تعريف الحكمة: [ فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي ] (2) .
وهذا الأمر: ممّا اتفق عليه ذوو الطباع السليمة, ومن هذا الباب: قول القائل:
إذا كنت بين الحلم والجهل ناشئا … وخيرت أنى شئت: فالحلم أفضل
ولكن إذا أنصفت مَنْ ليس منصف… ولم يرضى منك الحلم: فالجهل أمثل (3)
والجهل هنا: ليس بجهل وإن سماه الشاعر بذلك, لكنه هنا: وضع الشيء: موضعه .
ومن ذلك الباب_ أيضًا_: قول الآخر:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ……حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا (4)
وقال المتنبي:
إذا قيل رفقًا قال للحلم موضع وحلمُ الفتى في غير موضعه جهلُ (5)
ومن حِكَمِ شوقي:
وَالشَرُّ إِن تَلقَهُ بِالخَيرِ ضِقتَ بِهِ ذَرعًا وَإِن تَلقَهُ بِالشَرِّ يَنحَسِمِ
وقد قال معاصره في نفس المعنى:
(1) "الفتاوى15/291: 293".
(2) "مدارج السالكين2/479".
(3) انظر:"روضة العقلاء/213".
(4) انظر:"الأغاني5/13","دلائل الإعجاز/37".
(5) "خزانة الأدب1/198".