قال الطيبي: ويمكن أن يكون تخصيص الحليم بذي التجربة للإشارة إلى أن الحكيم بخلافه, وأن الحليم الذي ليس له تجربة قد يعثر في مواضع لا ينبغي له فيها الحلم بخلاف الحليم المجرب, وبهذا تظهر مناسبة أثر معاوية لحديث الباب, والله تعالى أعلم ] (1) .
ـ ( فيستفاد من هذا: أن الحلم ليس محمودًا مطلقًا كما أن الجود ليس محمودًا مطلقًا ) (2) .
وقد أحسن المتنبي إذ يقول:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى (3)
* وقد وصف الله تعالى أفضل الخلق بعد الأنبياء, والمرسلين: أصحاب نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم, ورضي عنهم أجمعين بأنهم: { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } [ الفتح: 29 ] .
* وقال تعالى_ كذلك_: { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ } [ المائدة: 54 ] .
قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_:
[ فالغلظة, والشدة على أعداء الله ممّا يُقرّب العبد إلى الله, ويوافق العبد ربه في سخطه عليهم, ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة: دعوتهم إلى الدين الإسلامي بالتي هي أحسن، فتجتمع: الغلظة عليهم, واللين في دعوتهم, وكلا الأمرين من مصلحتهم, ونفعه عائد إليهم ] (4) .
ــ فدعوة أهل الطائفة المنصورة مبناها على الحكمة بوضع كل شئ موضعه: فالترغيب واللين: لهما موضع, والترهيب والشدة: لهما موضع, فلكل محل, ولكل قدر, وممّا ينافي الحكمة منافاةً بينة: مسببًا الفساد في الأرض: وضعُ الترغيب واللين موضع الترهيب والشدة أو العكس .
والأمر هنا: أمر اتباع للشرع لا لما تقرره الطباع, والميول, والأمزجة, فالمؤمن الحق: يدور مع شرع الله: شدةً ولينًا, حبًا وبغضًا لا مع ما تهواه نفسه, ويلائم مزاجه ممّا عاقبته_ ولا بد_: مخالفة أمر الله, والتعرض لسخطه, وغضبه .
(1) "الفتح10/531".
(2) "فتح الباري10/531".
(3) "خزانة الأدب1/200","مجمع الأمثال1/14".
(4) "تفسير السعدي/146".