* وخطب عليُّ بن أبي طالب_ رضي الله عنه_ فحمد الله, وأثنى عليه ثم قال:"أيها الناس, إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي, ولم ينههم الربانيون, والأحبار, فلما تمادوا بالمعاصي: أخذتهم العقوبات, فمُروا بالمعروف, وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم, واعلموا أن الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر لا يقطع رزقًا, ولا يقرب أجلًا" (1) .
* وعن عمر بن عبد العزيز_ رحمه الله_, قال:"كان يقال: إن الله تبارك وتعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عُمل المنكر جهارًا: استحقوا العقوبة كلهم" (2) .
قال القرطبي_ رحمه الله_ وهو يتكلم عن حديث:"مثل القائم في حدود الله والواقع فيها ...", الحديث, قال: [ ففي هذا الحديث: تعذيب العامة بذنوب الخاصة, وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, قال علماؤنا: فالفتنة إذا عملت: هلك الكل, وذلك عند ظهور المعاصي, وانتشار المنكر, وعدم التغيير] (3) .
ــ فدل هذا كله دلالة قطعية لا تحتمل دفعًا على أن ما ينزل بالأمة من الفتن والإحن, والشرور والفساد في دينها ودنياها عند ظهور المنكرات وشيوعها بغير تغيير: أنه يعم الجميع: المباشر للمنكر, والساكت عن الإنكار مع القدرة .
وبعبارة أخرى يقال: إن ما يصيب الأمة عامةً في دينها, ودنياها من: ذل, وصغار, وانتشار للبدع والمحدثات, وتبديل للدين وتحريف, ونقص في الأموال, والأنفس, والثمرات مع شيوع القلق, والحيرة, والخوف, ورفع الأمن, والسكينة, والبركة, وغير ذلك من الفتن التي يُرقق بعضُها بعضًا: إنما هو عقوبة قدرية, وسنة ربانية للسكوت عن الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر .
(1) "تفسير ابن كثير2/76".
(2) "الموطأ2/991".
(3) "تفسير القرطبي7/392".