ـ( فإن قيل: فقد قال الله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } , { كل نفس بما كسبت رهينة } , { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } , وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد, وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب .
فالجواب: أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر, فمن الفرض على كل من رآه: أن يُغيره, فإذا سكت عليه: فكلهم عاصٍ: هذا بفعله, وهذا برضاه, وقد جعل الله في حُكمه, وحِكمته: الراضي بمنزلة العامل, فانتظما في العقوبة ...
وهو مضمون الأحاديث كما ذكرنا, ومقصود الآية: { واتقوا فتنة } : تتعدى الظالم: فتصيب الصالح والطالح) (1) .
قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_:[ وإنما كان السكوت عن المنكر_ مع القدرة_ موجبًا للعقوبة: لما فيه من المفاسد العظيمة؛ منها: أن مجرد السكوت: فعل معصية, وإن لم يباشرها الساكت, فإنه كما يجب اجتناب المعصية: فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية .
ومنها: ما تقدم أنه يدل على التهاون بالمعاصي, وقلة الاكتراث بها, ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها: فيزداد الشر, وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية, ويكون لهم الشوكة والظهور ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولًا .
ومنها: أنه بترك الإنكار للمنكر: يندرس العلم, ويكثر الجهل, فإن المعصية مع تكررها, وصدورها من كثير من الأشخاص, وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها: يُظن أنها ليست بمعصية, وربما ظن الجاهل أنها عباده مستحسنة, وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله: حلالًا ؟!, وانقلاب الحقائق على النفوس, ورؤية الباطل حقًا ؟!! .
ومنها: أن بالسكوت على معصية العاصين: ربما تزينت المعصية في صدور الناس, واقتدى بعضهم ببعض, فالإنسان مولع بالاقتداء بأحزابه, وبني جنسه, ومنها, ومنها ... ] (2) .
(1) "تفسير القرطبي7/393".
(2) "تفسير السعدي/150: 151".