ــ ولذلك كله: قَصَرَ اللهُ النجاة على أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون سواهم, فقال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }
[ الأعراف: 165 ] .
* وقال تعالى: { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ } [ هود: 116 ] .
فهذه الآيات, وغيرها: نصوص ظاهرة في أن ( سنة الله في عباده: أن العقوبة إذا نزلت: نجا منها الآمرون بالمعروف, والناهون عن المنكر ) (1) دون سواهم من التاركين للأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر مع القدرة على ذلك .
ــ وقد ظهر ممّا سبق: أن وجود الصالحين في الأمة وإن كانوا كثرة لا يمنع من نزول هذه العقوبات القدرية, وحلول تلك السنن الربانية بل تصيب هذه العقوبات, وتلك السنن الفئةَ الصالحةَ كإصابتها الفئة الفاسدة: سواء بسواء إذ قد سكتت الفئة الصالحة عن الإنكار, وعطلت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرتها على ذلك: فاستحقت ما أصابها .
ـ وفي الحقيقة, فإن دعوى الصلاح, والزهد في الدنيا, وإيثار الآخرة, والعمل لها مع السكوت عن الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر عند القدرة: دعوى مدخولة بل هي دعوى فاسدة, كاسدة, ينقض آخرُها أولها بل هي باطلة من أساسها بل لا أساس لها إذ تارك الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر مع قدرته عليه كما سبق معنا: فاسق ( أخبث حالًا من الزاني, والسارق, والشارب ) (2) .
(1) "تفسير السعدي/204".
(2) "الدرر السنية8/77: 78".