ـ وبعد؛ فهذه الشعيرة العظيمة, والفريضة الفريدة يَحمل أهلَ الطائفة المنصورة على امتثالها, والمسارعة في أدائها: محامل شتى, فـ ( تارة يحمل عليه: رجاء ثوابه، وتارة: خوف العقاب في تركه، وتارة: الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارة: النصيحة للمؤمنين، والرحمة لهم، ورجاء إنقاذهم ممّا أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لغضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة، وتارة يحمل عليه: إجلال الله وإعظامه ومحبته، وأنه أهل لأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وأن يفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس, والأموال كما قال بعض السلف: وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاريض، وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز- رحمهما الله- يقول لأبيه: وددت أني غلت بي وبك القدور في الله عز وجل ) (1) .
ـ ثم هم بعد ذلك يَحملهم عليه: لذةُ التفرد في طريق التعبد بالأمر المحبوب بل الأحب لله الأحد, الفرد, الصمد( إذ قد اندرس من هذا القطب عملُه وعلمُه، وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه، فاستولت على القلوب مداهنة الخلق, وانمحت عنها مراقبة الخالق, واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعزّ علي بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم .
فمن سعى في تلافي هذه الفترة, وسد هذه الثلمة: إما متكفلًا بعملها أو متقلدًا لتنفيذها, مجددًا لهذه السنة الدائرة, ناهضًا بأعبائها, ومتشمرًا في إحيائها: كان مستأثرًا من بين الخلق بإحياء سنَّة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدًا بقربةٍ تتضاءل درجات القُرَب دون ذروتها ) (2) .
(1) "جامع العلوم والحكم/325".
(2) "إحياء علوم الدين2/333".