وقال في"إعانة الطالبين": [قال في الروض, وشرحه: ولا يختص الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر بمسموع القول بل عليه_ أي: على كل مكلف_ أن يأمر, وينهى وإن علم بالعادة أنه لا يفيد, فإن الذكرى تنفع المؤمنين, فلا يسقط ذلك عن المكلف بهذا العلم لعموم خبر:"من رأى منكم ..."إلخ] (1) .
وقد نص العلماء على (أن الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر: فرضٌ برأسه لا يُسقطه عدم تأثر المُنكَر عليه ألا ترى أن إنكار القلب: فرض وهو لا أثر له في دفع ذلك المنكر) (2) .
ـ ومن الحِكَمِ الهامة البديعة في إنكار المنكر وإن علم المُنْكِر أنه لا يقبل منه: أن يبقى المنكَر: منكرًا في حس المُنْكِر, وفي حس مرتكب المنكَر, وفي حس كل من رآه أو سمع به فلا تألفه النفوس وتعتاده إذ أن (مشاهدة الفسق_ بغير إنكار_: تُهون أمر المعصية على القلب, وتبطل نفرة القلب عنها) (3) .
قال المناوي_ رحمه الله_: [اعلم أنه قد يقوم كثرة رؤية المنكر مقام الارتكاب, فيسلب القلوب نور التمييز والإنكار لأن المنكرات إذا كثر ورودها على القلب, وتكرر في العين شهودها: ذهبت عظمتها من القلوب شيئًا فشيئًا إلى أن يراها الإنسان: فلا يخطر بباله أنها منكر, ولا يمر بفكره أنها معاصي لتألف القلوبِ بها] (4) .
فكان في الإنكار: إيقاظٌ للقلوب من غفلتها, وانتشال لها من وهدتها, وتذكير لها بما تحاول نسيانه, وبالجملة, فهو_ بإذن الله_ إحياء لموتى الأحياء.
(1) "إعانة الطالبين 4/ 183".
(2) "التاج والأكليل 2/ 387".
(3) "الإحياء 2/ 172", وما بين العارضتين من كلامي.
(4) "فيض القدير 2/ 400".