قال مقيّده_ عفا الله عنه_: مراد ابن العربي_ رحمه الله_ بالمنسوخ: إنما هو وجوب ذلك لا جوازه, فكأنه ذهب إلى أن ذلك كان واجبًا على من قبلنا إذ جواز التمسك بالعزيمة في مثل هذه المواطن, وطرح الرخصة ممّا لا يغيب عن مثل ابن العربي_ رحمه الله_ سيما وأن الإجماع منقول على جواز ذلك بل وأفضليته .
وقد قال ابن العربي نفسه في كلامه في سورة النحل عند آية الإكراه على الكفر:
[ المسألة الرابعة: إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزًا عند العلماء بلا خلاف: فإن مَنْ صَبَرَ على البلاء, ولم يفتتن حتى قتل: فإنه شهيد ولا خلاف في ذلك, وعليه تدل آثار الشريعة التي يطول سردها, وإنما وقع الأذن رخصةً من الله رفقًا بالخلق, وإبقاءً عليهم, ولما في هذه الشريعة من السماحة, ونفي الحرج, ووضع الإصر] (1) .
وقد نقل القرطبي نفسه عن ابن العربي_ أيضًا_ جواز ذلك في الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, قال القرطبي: [ وزعم ابن العربي أن من رجا زواله, وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل: جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر, وإن لم يرج زواله: فأي فائدة عنده, قال: والذي عندي أن النية إذا خلصت: فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي ] (2) .
ــ وقد نقل القرطبي الإجماع على جواز ذلك بل وأفضليته:
قال القرطبي_ رحمه الله_ في تفسير قوله تعالى: { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } , قال: [ أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر فاختار القتل: أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة .
واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له، فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدة في ذلك, واختيار القتل والضرب: أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة، ذكره ابن حبيب, وسحنون .
(1) "أحكام القرآن لابن العربي3/162".
(2) "تفسير القرطبي4/48".