وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز_ رضي الله عنه_ إذ كتب له عدي بن أرطأة يستشيره في بعض القدرية، فكتب إليه:"أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله, والاقتصاد في أمره, واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته, وكفوا مؤنته: فعليك بلزوم السنة، فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ, والزلل, والحمق, والتعمق، فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم: وقفوا، وببصر نافذ: قد كفوا, وهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل كانوا فيه أحرى ."
فلئن قلتم: أمر حدث بعدهم: ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سننهم، ورغب بنفسه عنهم، إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم: مقصرًا، وما فوقهم: محسر، لقد قصر عنهم آخرون: فغلوا, وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم"..."
فقوله:"فإن السنة: إنما سنها من قد عرف ما في خلافها": فهو مقصود الاستشهاد ) (1) .
ـ الوجه الثاني:
( أن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع لأن الشارع وضع الشرائع, وألزم الخلق الجري على سننها، وصار هو المنفرد بذلك لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق: لم تنزل الشرائع، ولم يبق الخلاف بين الناس, ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام .
هذا الذي ابتدع في دين الله: قد صيّر نفسه نظيرًا, ومضاهيًا حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف: بابًا، وردّ قصد الشارع في الانفراد بالتشريع, وكفى بذلك ) (2) .
ـ كما أن الإحداث في دين الله بالتقديم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: زعمٌ صريح بأن الدين: ناقص, لم يكمل بعد, وهو مروق من حكم الشرع, وخلع لربقة الإسلام:
(1) "الاعتصام1/37: 38".
(2) "الاعتصام1/38".