غير أن تأمّل سياق الآيات من أولها: يُرجح_ والله أعلم_ أن المقصود بها_ أساسًا_ هو من شرى نفسه لله في الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر حيث تبدأ الآيات بقوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَالله لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } .
ثم قال تعالى بعدها: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله وَالله رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } .
فإذا حملت الآية الأخيرة على أنها تتمة, وتذييل لما سبقها من الآيات: تَرَجّح_ والله أعلم_ أن المراد بها_أساسًا_: الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر مع التسليم بدخول من سبق ذكرهم في معنى الآية قطعًا .
( وعلى ذلك: تأولها: عمر, وعلي, وابن عباس_ رضى الله عنهم_, قال علي, وابن عباس: اقتتل الرجلان, أي: قال المُغيِّر للمُفسِد: اتق الله, فأبى المفسدُ, وأخذته العزة: فشرى المغير نفسه من الله, وقاتله, فاقتتلا .
وقال أبو الخليل: سمع عمرُ بن الخطاب إنسانًا يقرأ هذه الآية, فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون, قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر: فقُتلَ, وقيل: إن عمر سمع ابنَ عباس يقول: اقتتل الرجلان عند قراءة القارئ هذه الآية, فسأله عمّا قال, ففسر له هذا التفسير, فقال له عمر: لله تلادك يا ابن عباس ) (1) .
قال الإمام ابن جرير الطبري_ رحمه الله_: بعد أن ذكر الأقوال الواردة في الآية:
(1) "تفسير القرطبي3/20: 21".