فهرس الكتاب

الصفحة 902 من 2063

قال القرطبي_ رحمه الله_: [ وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل, وقال تعالى: { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك } , وهذا إشارة إلى الإذاية ] (1) .

* وفي حديث ابن عباس_ رضي الله عنهما_ في قصة إسلام أبي ذر_ رضي الله عنه_, وفيه:

"فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم, فقلت له: اعرض عليّ الإسلام, فعرضه: فأسلمت مكاني, فقال لي يا أبا ذر: اكتم هذا الأمر, وارجع إلى بلدك, فإذا بلغك ظهورنا: فأقبل, فقلتُ: والذي بعثك بالحق, لأصرخن بها بين أظهرهم, فجاء إلى المسجد وقريش فيه, فقال: يا معشر قريش, إني أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ! ."

فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ, فقاموا, فضربتُ لأموت, فأدركني العباس: فأكب عليّ ثم أقبل عليهم, فقال: ويلكم تقتلون رجلًا من غفار ومتجركم, وممركم على غفار: فأقلعوا عني, فلما أن أصبحت الغد: رجعت, فقلت مثل ما قلت بالأمس, فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ, فصُنع بي مثل ما صنع بالأمس وأدركني العباس فأكب عليّ, وقال مثل مقالته بالأمس" (2) ."

ففي هذه القصة: إقراره صلى الله عليه وسلم لأبي ذر_ رضي الله عنه_ تعريض نفسه للبلاء, والتغرير بها في ذات الله سبحانه وتعالى .

قال الحافظ ابن حجر_ رحمه الله_: [ قوله:"لأصرخنّ بها"، أي: بكلمة التوحيد, والمراد أنه يرفع صوته جهارًا بين المشركين، وكأنه فهم أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بالكتمان ليس على الإيجاب بل على سبيل الشفقة عليه، فأعلمه أن به قوة على ذلك، ولهذا أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ويؤخذ منه جواز قول الحق عند من يخشى منه الأذية لمن قاله، وإن كان السكوت جائزًا، والتحقيق أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والمقاصد ] (3) .

(1) "الجامع لأحكام القرآن4/48".

(2) "البخاري3/1295, 1401".

(3) "فتح الباري7/175".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت