محمودًا علمٌ لمقام الشفاعة العظمى، ولذلك وصفه بالمعرفة، وقد جاء في رواية النسائي [1] وغيره [2] ، (( المقام المحمود ) )معرَّفًا، وهذا مثل العباس والحسن، ثمَّ وَصْفُ المقام المحمود مجازٌ حكمي، وصفٌ بوصفِ صاحبه.
فإن قلتَ: إذا كان على المكان معين، كان قياس استعماله بفي كما في سائر الأماكن المعيَّنة.
قلتُ: الأمر كذلك إلا أنَّه اتَّسع فيه أو ضمَّن البعث معنى الإعطاء، أو يقدَّر مضاف فيكون حالًا من فاعل ابعثه، أي: ذا مقام.
فإن قلتَ: الذي وعدته يدلُّ على وعدٍ سابق، في أيِّ آيةٍ وعده؟.
قلتُ: وَعَدَهُ في قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} الإسراء: 79، وعسى ولعلَّ من الكرام والملوك جزم بوقوع ما دخلا عليه، فضلًا عن أكرم الأكرمين مع سيِّد المرسلين.
فإن قلتَ: إذا كان المقام موعودًا له ممَّن لا يُخلف الميعاد، فأيُّ فائدة في سؤال أمته له؟.
قلتُ: الفائدة السعي في واجب إعلاء قدره صلى الله عليه وسلم ، واثبات حقِّ الشفاعة عليه صلى الله عليه وسلم ، ألا ترى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} الأحزاب: 56.
فإن قلتَ: ما معنى قوله: (( حلَّت له شفاعتي ) ).
قلتُ: إن كان من الحِلِّ ضدُّ الحُرمة، فكأن الذي سمع هذا الحديث ولم يدع، ولم يسأل له تلك المنزلة حرام عليه، مجازٌ عن عدم الاستحقاق [3] ، وإن كان من الحلول فكأنَّ من لم يسأل له لم يصلح أنْ يكون محل الحلول.
(1) سنن النسائي: ج 2/ 26/680، كتاب الأذان، الدعاء عند الأذان.
(2) صحيح ابن حبان: ج 4/ 586/1689.
(3) قال الحافظ: قوله: (( حلت له ) )أي: استحقت ووجبت، أو نزلت عليه، يقال: حل يحل بالضم إذا نزل، واللام بمعنى على، ويؤيده رواية مسلم (( حلت عليه ) )، ووقع في الطحاوي من حديث ابن مسعود (( وجبت له ) )ولا يجوز أن يكون حلت من الحل؛ لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة. فتح الباري: ج 2/ 95 - 96.