والظاهر أنَّ ذلك من باب الأَولى؛ لأنَّهم استدلُّوا بهذا الحديث، وقد تقدَّم في باب الدُّعاء قبل السَّلام من رواية عائشة ما كان يدعو به رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] ، وروى مسلم عن علي بن أبي طالب أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو بين التشهُّد والسَّلام: اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت .. إلى آخره [2] .
فإن قلتَ: لفظ (( ليتخيَّر ) )يدلُّ على الوجوب؛ لأنَّه أمرٌ، فما صرفه عن الوجوب؟.
قلتُ: لما فوَّض الأمر إلى اختياره دَلَّ على أنَّهُ غير واجب، وعليه الإجماع [3] .
الأصل
[273/أ]
التركية
[177/ب]
وقد التبس هذا على بعض الشرُّاح، حتى قال بعضهم: لفظ التخير لا يدلُّ على عدم الوجوب، لجواز التخير في الأشياء مع وجوب واحد منها، /وأجاب بعضهم بأنَّ هذه الصفة وإن كانت صيغة الأمر إلاَّ أنَّها هنا للندب [4] ، وكلُّ هذا ذهول عن الغرض، فإنَّ الشارع لما ذكر الواجب من التشهُّد فَصَلَ الكلام بلفظ (( ثمَّ ) )ليدلَّ على أن ليس هناك وجوب، ولا نوع تقرب، / ولذلك لو دعا بأمر الدنيا كالمرأة الصالحة والرزق الحلال كان جائزًا بلا ريب [5] .
(1) سبق في حديث رقم: (832) .
(2) صحيح مسلم: ج 1/ 534/771، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
(3) الأوسط لابن المنذر: ج 3/ 241، وقال الحافظ: وادعى بعضهم الإجماع على عدم الوجوب، وفيه نظر. فتح الباري: ج 2/ 321.
(4) نقله الحافظ عن ابن رشيد. فتح الباري: ج 2/ 321.
(5) انظر: التمهيد لابن عبد البر: ج 24/ 432، بداية المجتهد لابن رشد: ج 1/ 93، المغني: ج 1/ 320، فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن رجب الحنبلي: ج 5/ 188.