(( لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ ) )وذلك بأن يرى أنَّه يجب الانصراف من الأيمن؛ لأنَّه اعتقاد أمر باطل غير مشروع، وذلك مطلوب الشيطان.
فإن قلتَ: حقًا اسم أنَّ، وأنَّ لا ينصرف خبره، تقديره أنَّ حقًا عليه عدم الانصراف، فالاسم نكرة والخبر معرفة [1] .
قلتُ: يقدَّر في أنَّ ضمير الشأن، وحقًَّا مفعول به مطلق لفعلٍ مقدَّرٍ، أو هو ممَّا انتصب فيه الجزآن، كقوله:
إنَّ حُرَّاسنا أُسدا [2]
أو قيل: هو من باب القلب، وفيه أنَّ القلب إنَّما يقبل إذا كان فيه مبالغة.
(( رَأَيْتُ رسول الله كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ ) )يريد الكثرة في نفس الأمر، لا بالقياس إلى اليمين، فإنَّه أكثر من اليسار بلا شكٍ فيه.
قال النووي: حديث عبد الله: (( أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن شماله ) )وحديث أنس: (( أكثر ما رأيت عن يمينه ) )فيرجع إلى ترجيح اليمين، لورود الأحاديث في فضله في باب المكارم [3] .
قلت: حديث البراء في مسلم: (( كنَّا نُحب أن نكون عن يمينه؛ لأنَّه يقبل علينا بوجهه ) ) [4] يرجح رواية أنس، إذ لو استوى الأمران لم يكن لهذا الكلام وجه [5] .
(1) قاله الكرماني: 5/ 199.
(2) البيت من البحر الطويل لعمر بن أبي ربيعة المخزومي:
إذَا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأتِ ولتَكُنْ ... خُطَاكَ خِفَافًا إنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدَا
تفسير البحر المحيط: ج 4/ 440، تاج العروس من جواهر القاموس للمرتضى الزبيدي: ج 34/ 198.
(3) شرح النووي على صحيح مسلم: ج 5/ 220.
(4) صحيح مسلم: ج 1/ 492/709، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب يمين الإمام.
(5) وإليه مال النووي في المجموع، وقال: جزم البغوي في شرح السنة بهذا. المجموع: ج 3/ 454.