ــ ومن ثم, فالقول بتقديم المصلحة على النص: قول باطل لبطلان مقدمته التي يقوم عليها بل هي_ في الأساس_ فرضية محالة إذ من المحال بل من أمحل المحال أن يأتي النص بخلاف المصلحة, وحينئذ: فالمصلحة التي تزعمها العقول في مخالفة النص: مصلحة موهومة هي إلى"المفسدة"أقرب منها إلى"المصلحة"مع كونها مفسدة_ قطعًا_ بالنسبة لما يقرره النص, ومع التنزل يقال: هي مصلحة لم يشهد لها الشارع بالاعتبار وإنما شهد لها بالإلغاء: فطرحها, ولم يعوّل عليها .
* وقد قال تعالى: { وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ } [ الأعراف: 56 ] .
* وقال تعالى_ كذلك_: { وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ }
[ الأعراف: 85 ] .
فالصلاح, والإصلاح: هو التمسك بما جاء به الأنبياء, والمرسلون من عند ربهم سبحانه وتعالى, والفساد, والإفساد: هو ما خالف ذلك .
قال الألوسي_ رحمه الله_: [ نهى عن سائر أنواع الإفساد؛ كإفساد النفوس, والأموال, والأنساب, والعقول, والأديان بعد إصلاحها, أي: إصلاح الله تعالى لها, وخلقها على الوجه الملائم لمنافع الخلق ومصالح المكلفين, وبعث فيها الأنبياء بما شرعه من الأحكام ] (1) .
قلت: وقد قال ابن عباس_ رضي الله عنهما_:"كل نبي بُعث إلى قومه: فهو صلاحهم" (2) .
وقال أبو بكر بن عياش_ رحمه الله_ في الآية السابقة:"إنّ الله بعث محمدًا إلى أهل الأرض وهم في فساد؛ فأصلحهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم: فهو من المفسدين في الأرض" (3) .
(1) "روح المعاني8/140".
(2) "تفسير القرطبي7/248".
(3) "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد/395".