فهرس الكتاب
فأدّب الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية لأنه كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم ويدعوهم, فيستهزءون بالقرآن: فأمره الله أن يعرض عنهم إعراض منكر, ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكر, وعلم أنه لا يقبل منه: فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر, ولا يقبل عليه.
وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} , قال: هم الذين يستهزءون بكتاب الله, نهاه الله عن أن يجلس معهم إلا أن ينسى, فإذا ذكر: قام.
وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد, قال: هم الذين يقولون في القرآن غير الحق.
الثانية: في هذه الآية ردّ من كتاب الله عز وجل على من زعم أن الأئمة الذين هم حججٌ, وأتباعَهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية, وذكر الطبري عن أبي جعفر محمد بن علي_ رضي الله عنه_ أنه قال: لا تجالسوا أهل الخصومات, فإنهم الذين يخوضون في آيات الله.
قال ابن العربي: وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل, قال ابن خويز منداد: من خاض في آيات الله: تُركت مجالسته, وهُجرَ مؤمنًا كان أم كافرًا, قال: وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو, ودخول كنائسهم, والبيع, ومجالسة الكفار, وأهل البدع, وألا تعتقد مودتهم, ولا يسمع كلامهم, ولا مناظرتهم] (1) .
قال ابن كثير_ رحمه الله_: [والمراد بذلك: كل فرد من آحاد الأمة أن يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله, ويضعونها موضعها, فإن جلس أحد معهم ناسيًا: {فلا تقعد بعد الذكرى} : بعد التذكر {مع القوم الظالمين} ] (2) .
ــ ومن السنة النبوية:
* عن جابر بن عبد الله_ رضي الله عنه_, يقول:"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة, فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار, فقال الأنصاري: يا للأنصار, وقال المهاجري: يا للمهاجرين."
(1) "تفسير القرطبي 7/ 12: 13".
(2) "تفسير ابن كثير 2/ 145".