فهرس الكتاب
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال دعوى الجاهلية؟!!!.
قالوا: يا رسول الله, كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار.
فقال: دعوها فإنها منتنة.
فسمعها عبد الله بن أبي, فقال: قد فعلوها, والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فقال صلى الله عليه وسلم: دعه, لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (1) ."
فرغم أن عبد الله بن أبي بن سلول: كافر على الحقيقة إذ هو رأس النفاق, وأسه, فقتله_ في حقيقة الأمر_ مشروع, وفيه مصلحة دفع شره, وفساده, وفتنته إلا أنه لما كانت هذه المصلحة معارضة بمفسدة أرجح منها وهي إثارة فتنة, وبلبة تصدّ الناس عن دين الله حيث أن كفره, وشره, وفساده, وفتنته لم يثبت عليه بالبينة الشرعية التي يُؤخذ بها, فكان قتله_ والحال ما ذكر_ في ظاهر الأمر: ظلمًا, وعدوانًا وهو السيد, الشريف, المُقدّم, المُطاع بين الناس, وإلى هذا يشير قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه", فهو في الظاهر أمام الناس الذين لا يعرفون حقائق الأمور, وبواطنها من أصحابه صلى الله عليه وسلم (2)
(1) "البخاري 3/ 1296, 4/ 1863","مسلم 4/ 1998"واللفظ له.
(2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_ عن المنافقين:[إن عامتهم لم يكن ما يتكلمون به من الكفر ممّا يثبت عليهم بالبينة بل كانوا يُظهرون الإسلام، ونفاقهم يُعرف تارة بالكلمة يسمعها الرجل المؤمن فينقلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيحلفون بالله أنهم ما قالوا أو لا يحلفون، وتارة بما يظهر من تأخرهم عن الصلاة, والجهاد, واستثقالهم للزكاة, وظهور الكراهة منهم لكثير من أحكام الله، وعامتهم يُعرفون في لحن القول ...
إلى أن قال:
ثم جميع هؤلاء المنافقين يُظهرون الإسلام، ويحلفون أنهم مسلمون، وقد اتخذوا أيمانهم جُنّة، وإذا كانت هذه حالهم: فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيم الحدود بعلمه، ولا بخبر الواحد، ولا بمجرد الوحي، ولا بالدلائل والشواهد، حتى يثبت الموجب للحدّ ببينةٍ أو إقرار ...
إلى قوله:
فكان ترك قتلهم_ مع كونهم كفارًا_ لعدم ظهور الكفر منهم بحجة شرعية, ويدل على هذا: أنه لم يستتبهم على التعيين، ومن المعلوم أن أحسن حال من ثبت نفاقه وزندقته أن يستتاب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل، ولم يبلغنا أنه استتاب واحدًا بعينه منهم: فعُلِمَ أن الكفر والرِدّة لم تثبت على واحد بعينه ثبوتًا يوجب أن يُقتل كالمرتد، ولهذا تقبل علانيتهم، ونكِلُ سرائرهم إلى الله]."الصارم المسلول/355: 357"
وقال القاضي عياض_ رحمه الله_:[وبواطن المنافقين: مستترة، وحُكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر، وأكثر تلك الكلمات إنما كان يقولها القائل منهم خُفْية, ومع أمثاله، ويحلفون عليها إذا نُمِيت, وينكرونها, ويحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر ...
إلى قوله:
وبهذا أجاب بعض أئمتنا_ رحمهم الله_ عن هذا السؤال, وقال: لعلّه لم يثبت عنده صلى الله عليه وسلم من أقوالهم ما رُفِعَ, وإنما نقله الواحد, ومَنْ لم يصل رتبة الشهادة في هذا الباب من صَبي أو عبدٍ أو امرأة، والدماء لا تستباح إلا بعَدْلين ...
إلى أن قال:
وكذلك قال بعض أصحابنا البغداديين: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين بعلمه فيهم، ولم يأت أنه قامت بينة على نفاقهم، فلذلك تركهم]."الشفا 2/ 961: 963"