فهرس الكتاب
قال الحافظ ابن حجر_ رحمه الله_: [وفي الحديث معنى ما ترجم له لأن قريشًا كانت تعظم أمر الكعبة جدًا, فخشي صلى الله عليه وسلم أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غيّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك, ويُستفاد منه: ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة, ومنه: ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه, وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا] (1) .
وقد جاء في رواية لهذا الحديث:"ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية, فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت, وأن ألصق بابه بالأرض" (2) .
قال النووي_ رحمه الله_: [وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام, منها: إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتَعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة: بُديء بالأهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم: مصلحة, ولكن تعارضه مفسده أعظم منه وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة, فيرون تغييرها عظيمًا: فتركها صلى الله عليه وسلم] (3) .
* ومن النصوص المُعَلّلة عند أهل العلم بالموازنة بين مصلحة إيقاع الحكم وما قد يعارضه من المفسدة: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله:"لا تقطع الأيدي في الغزو" (4) .
قال الإمام الترمذي_ رحمه الله_: [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي أن لا يقام الحد في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يَلحق من يقام عليه الحد بالعدو, فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام: أقام الحد على من أصابه, كذلك قال الأوزاعي] (5) .
(1) "الفتح 1/ 225".
(2) "البخاري 2/ 573".
(3) "شرح مسلم 9/ 89".
(4) "الترمذي 4/ 53","الدارمي 2/ 303", وانظر:"تحفة الأحوذي 5/ 10","الكامل لابن عدي 2/ 5: 6".
(5) "سنن الترمذي 4/ 53".