فهرس الكتاب
والثالث: كتقديم المرأة المهاجرة لسفر الهجرة بلا محرم على بقائها بدار الحرب، كما فعلت أم كلثوم التي أنزل الله فيها آية الامتحان: {يا أيُّها الذينَ آمَنوا إذا جاءَكُمْ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ} , وكتقديم قتل النفس على الكفر كما قال تعالى: {والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ} , فتقتل النفوس التي تَحصل بها الفتنة عن الإيمان لأن ضرر الكفر أعظم من ضرر قتل النفس، وكتقديم قطع السارق, ورجم الزاني, وجلد الشارب على مضرة السرقة, والزنا, والشرب، وكذلك سائر العقوبات المأمور بها فإنما أمر بها مع أنها في الأصل سيئة وفيها ضرر لدفع ما هو أعظم ضررًا منها، وهي جرائمها إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا بهذا الفساد الصغير.
وكذلك: في"باب الجهاد"وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء, والصبيان, وغيرهم: حرامًا, فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم مثل الرمي بالمنجنيق, والتبييت, بالليل: جاز ذلك كما جاءت فيها السنة في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق، وفي أهل الدار من المشركين يبيتون، وهو دفع لفساد الفتنة_ أيضًا_ بقتل من لا يجوز قصد قتله.
وكذلك:"مسألة التترس"التي ذكرها الفقهاء؛ فإن الجهاد هو دفع فتنة الكفر، فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها، ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم: جاز ذلك, وإن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم: ففيه قولان ...
وأما الرابع: فمثل أكل الميتة عند المخمصة, فإن الأكل حسنة واجبة لا يمكن إلا بهذه السيئة ومصلحتها راجحة، وعكسه الدواء الخبيث, فإن مضرته راجحة على مصلحته من منفعة العلاج لقيام غيره مقامه، ولأن البرأ لا يتيقن به، وكذلك شرب الخمر للدواء.