فهرس الكتاب

الصفحة 1028 من 2063

فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين: دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها، وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها، والحسنة تترك في موضعين: إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة، هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية.

وأما سقوط الواجب لمضرة في الدنيا, وإباحة المحرم لحاجة في الدنيا كسقوط الصيام لأجل السفر، وسقوط محظورات الإحرام, وأركان الصلاة لأجل المرض: فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين, ورفع الحرج الذي قد تختلف فيه الشرائع بخلاف الباب الأول, فإن جنسه ممّا لا يمكن اختلاف الشرائع فيه وإن اختلفت في أعيانه بل ذلك ثابت في العقل كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم: خير الخيرين, وشر الشرين، وينشد:

إن اللبيب إذا بدى من جسمه … مرضان مختلفان داوي الأخطر

وهذا ثابت في سائر الأمور، فإن الطبيب_ مثلًا_ يحتاج إلى تقوية القوة, ودفع المرض، والفساد: أداة تزيدهما معًا، فإنه يرجح عند وفور القوة: تركه إضعافًا للمرض، وعند ضعف القوة: فعله لأن منفعة إبقاء القوة والمرض: أولي من إذهابهما جميعًا، فإن ذهاب القوة: مستلزمة للهلاك.

ولهذا استقر في عقول الناس أنه عند الجدب يكون نزول المطر لهم رحمة وإن كان يتقوى بما ينبته أقوام على ظلمهم لكن عدمه أشد ضررًا عليهم، ويرجحون وجود السلطان مع ظلمه على عدم السلطان كما قال بعض العقلاء: ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت