فهرس الكتاب
ثم السلطان يُؤاخذ على ما يفعله من العدوان, وُيفرّط فيه من الحقوق مع التمكن، لكن أقول هنا: إذا كان المتولي للسلطان العام أو بعض فروعه كالإمارة, والولاية, والقضاء, ونحو ذلك إذا كان لا يمكنه أداء واجباته, وترك محرماته ولكن يتعمد ذلك ما لا يفعله غيره قصدًا وقدرة: جازت له الولاية، وربما وجبت، وذلك لأن الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها من جهاد العدو، وقسم الفيء، وإقامة الحدود، وأحمت السبيل: كان فعلها واجبًا، فإذا كان ذلك مستلزمًا لتولية بعض من لا يستحق، وأخذ بعض ما لا يحل، وإعطاء بعض من لا ينبغي، ولا يمكنه ترك ذلك: صار هذا من باب ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به: فيكون واجبًا أو مستحبًا إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم، ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها، ودفع أكثره باحتمال أيسره: كان ذلك حسنًا مع هذه النية، وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها: جيدًا.
وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد، فمن طلب منه ظالم قادر وألزمه مالًا، فتوسط رجل بينهما ليدفع عن المظلوم كثرة الظلم، وأخذ منه وأعطي الظالم مع اختياره ألا يظلم، ودفعه ذلك لو أمكن: كان محسنًا، ولو توسط إعانةً للظالم: كان مسيئًا.
وإنما الغالب في هذه الأشياء: فساد النية, والعمل، وأما النية: فبقصده السلطان والمال، وأما العمل: فبفعل المحرمات، وبترك الواجبات لا لأجل التعارض, ولا لقصد الأنفع والأصلح.
ففقه الموازنات بين المنافع والمضار ليس هو المطلوب فقط، وإنما فقه أكثر المنافع، وأكثر المضار، والتمييز بينهما، وفعل الأصلح منها للمسلمين أو الأخف ضررًا عليهم بقدر الاستطاعة، ولو كان في ذلك تفويت بعض المصالح ...