فهرس الكتاب
فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري.
قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى وصلت إلى هذه الآية: { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا } , قال لي: حسبك، فنظرت إليه: فإذا عيناه تذرفان من البكاء" (1) ."
وعلى هذا السماع كان يجتمع القرون الذين أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"خير القرون الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" (2) ...
إلى أن قال_ رحمه الله_:
وقول السائل وغيره: هل هو حلال أو حرام ؟: لفظ مجمل فيه تلبيس، يشتبه الحكم فيه حتى لا يحسن كثير من المفتين تحرير الجواب فيه, وذلك أن الكلام في السماع, وغيره من الأفعال على ضربين:
أحدهما: أنه هل هو محرم أو غير محرم بل يفعل كما يفعل سائر الأفعال التي تلتذ بها النفوس، وإن كان فيها نوع من اللهو واللعب كسماع الأعراس، وغيرها ممّا يفعله الناس لقصد اللذة, واللهو لا لقصد العبادة, والتقرب إلى الله .
والنوع الثاني: أن يفعل على وجه الديانة، والعبادة، وصلاح القلوب، وتجريد حب العباد لربهم، وتزكية نفوسهم، وتطهير قلوبهم, وأن تُحرّك من القلوب الخشية، والإنابة، والحب، ورقة القلوب، وغير ذلك ممّا هو من جنس العبادات، والطاعات لا من جنس اللعب والملهيات .
فيجب الفرق بين سماع المتقربين، وسماع المتلعبين، وبين السماع الذي يفعله الناس في الأعراس، والأفراح، ونحو ذلك من العادات، وبين السماع الذي يُفعل لصلاح القلوب، والتقرب إلى رب السموات فإن هذا يُسأل عنه: هل هو قربة وطاعة ؟, وهل هو طريق إلى الله ؟, وهل لهم بدّ من أن يفعلوه لما فيه من رقة قلوبهم، وتحريك وجدهم لمحبوبهم، وتزكية نفوسهم، وإزالة القسوة عن قلوبهم، ونحو ذلك من المقاصد التي تقصد بالسماع كما أن النصارى يفعلون مثل هذا السماع في كنائسهم على وجه العبادة, والطاعة لا على وجه اللهو, واللعب .
(1) "البخاري4/1673","مسلم1/551".
(2) "البخاري2/938","مسلم4/1963".