فهرس الكتاب
فإذن قوله عليه السلام:"إنما الأعمال بالنيّات": يختص من الأقسام الثلاثة بالطاعات, والمباحات دون المعاصي إذ الطاعة تنقلب معصية بالقصد، والمباح ينقلب معصية وطاعة بالقصد، فأما المعصية: فلا تنقلب طاعة بالقصد أصلًا، نعم للنيّة دخل فيها, وهو: أنه إذا انضاف إليها قصود خبيثة: تضاعف وزرها, وعظم وبالها_ كما ذكرنا ذلك في كتاب التوبة_ ] (1) .
ــ ويخلط الكثيرون هنا بين الوسائل بمعنى: الأقوال, والأفعال التي تُجعل قالبًا للمراد أيًا كان, وبين الوسائل بمعنى: الآلات, والأدوات العينية, فهذه الأخيرة دائرتها واسعة, والأصل فيها كما هو الأصل في الأعيان_على الراجح_: الإباحة إلا ما قام الدليل على المنع منه .
أما الوسائل بالمعنى الأول: فهي مُقيّدة بما قرره الشرع, ويَحكمها قوله صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا: فهو رد", وقوله:"عملًا": نكرة في سياق الشرط: تفيد العموم, فالحديث: شامل لكل ما يصدر من المكلف سواء كان هذا"الصادر": غاية في نفسه أو وسيلة لغيره, فهو: حكم كلي, مطرد لا استثناء له بوجه من الوجوه, فكيف إذا تعلق الأمر بتبليغ دين الله, والتمكين له وهو ما لم يأت الرسول صلى الله عليه وسلم إلا به, وله !!! .
ـ وللشاطبي_ رحمه الله_ تأصيل هام جدًا هنا حيث يقول: [ كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له: فقد ناقض الشريعة, وكل من ناقضها: فعمله في المناقضة باطل, فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له: فعمله باطل .
أمّا أن العمل المناقض باطل: فظاهر, فإن المشروعات إنما وضعت لتحصيل المصالح, ودرء المفاسد, فإذا خولفت: لم يكن في تلك الأفعال التي خولف بها جلب مصلحة, ولا درء مفسدة .
وأمّا أن من ابتغى في الشريعة ما لم توضع له: فهو مناقض لها؛ فالدليل عليه أوجه:
(1) "إحياء علوم الدين4/388: 391".