فهرس الكتاب

الصفحة 1050 من 2063

والخامس: أن الملكف إنما كلف بالأعمال من جهة قصد الشارع بها في الأمر والنهي, فإذا قصد بها غير ذلك: كانت بفرض القاصد وسائلَ لما قصد لا مقاصد إذ لم يقصد بها قصدَ الشارع فتكون مقصودة بل قصد قصد آخر جعل الفعل أو الترك وسيلة له: فصار ما هو عند الشارع مقصودٌ وسيلةً عنده, وما كان شأنه هذا: نقضٌ لإبرام الشارع, وهدمٌ لما بناه .

والسادس: أن هذا القاصد مستهزىء بآيات الله لأن من آياته: أحكامه التي شرعها, وقد قال بعد ذكر أحكام شرعها: { ولا تتخذوا آيات الله هزوًا } , والمراد أن لا يقصد ما شرعها لأجله, ولذلك قيل للمنافقين حيث قصدوا بإظهار الإسلام غير ما قصده الشارع: { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } , والاستهزاء بما وضع على الجد: مضادةٌ لحكمته ظاهره, والأدلة على هذا المعنى كثيرة ] (1) .

* قلت: وقد قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا" (2) .

والحديث متناول بعمومه للأعيان, وغيرها من الأفعال, والأقوال بل والاعتقادات .

قال ابن رجب_ رحمه الله: [ فإن"الطيب"يوصف به الأعمال, والأقوال, والاعتقادات, وكل هذه تنقسم إلى طيب, وخبيث* ] (3)

(1) "الموافقات2/333: 335".

(2) مسلم .

(3) "جامع العلوم والحكم/100".

* لسيّد_ رحمه الله_ كلام لطيف مناسب للمقام جاء في رسالته اللطيفة التي كتبها لأخته أمينة قطب قبيل إعدامه, والتي اشتهرت باسم:"أفراح الروح", قال: [ من الصعب عليَّ أن أتصور كيف يمكن أن نصل إلى غاية نبيلة باستخدام وسيلة خسيسة ؟!, إن الغاية النبيلة لا تحيا إلا في قلب نبيل؛ فكيف يمكن لذلك القلب أن يطيق استخدام وسيلة خسيسة بل كيف يهتدي إلى استخدام هذه الوسيلة ؟! .

حين نخوض إلى الشط الممرع بركة من الوحل: لا بد أن نصل إلى الشط ملوثين, إن أوحال الطريق ستترك آثارها على اقدامنا وعلى مواضع هذه الأقدام، كذلك الحال حين نستخدم وسيلة خسيسة: إن الدنس سيعلق بأرواحنا، وسيترك آثاره في هذه الأرواح، وفي الغاية التي وصلنا إليها"أ هـ, فرحم الله سيدًا ."

ولأمينة قطب أبيات هي الأخرى لطيفة جاءت كرسالة إلى أخيها سيد في ذكراه, وممّا جاء فيها:

أخي إنه لحديث يطول …وفيه الأسى وعميق الشجون

رأيت تبدل خط الحداة ……بما نالهم من عناء السنين

فمالوا إلى هدنة المستكين ……ومدوا الجسور مع المجرمين

رأوا أن ذلك عين الصواب ……وما دونه عقبات الطريق

بتلك المشورة مال السفين ……تأرجح في سيره كالغريق

وفي لجة اليّم تيه يطول ……وظلمة ليل طويل عميق

حزنت لما قد أصاب المسير …وما يملك القلب غير الدعاء

بأن ينقذ الله تلك السفين ……ويحمي ربانها من بلاء

وأن يحذروا من ضلال المسير …ومما يدبر طي الخفاء

ترى هل يعودون أم أنهم …يظنون ذلك خط النجاح ؟

وفي وهمهم أن مد الجسور …سيمضي بآمالهم للفلاح

وينسون أن طريق الكفاح ……به الصدق والفوز رغم الجراح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت