ــ وفي الحقيقة فإن القول بأن هناك مصلحة حقيقية متعلقة بـ"الضروريات الخمس"لم يشهد لها الشرع بالاعتبار: قول بعيد جدًا بل هو مردود بيقين إذ هذه الضروريات الخمس: هي أساس نظر الشارع, وموطن اهتمامه الأول, ومحل رعايته العظمى, ورعايةُ الشرع, واعتبارُه لمصالح هذه الضروريات الخمس: أمرٌ مقرر من وجوه عدة بالنظر لكليات الشرع, وجزئياته, وهي مسألة: وفاقية لا خلاف فيها ألبتة .
كما أن الشرع لم يترك وسيلة حفظ هذه الضروريات بجلب المصالح لها, ودفع المفاسد عنها للعقول وما تشتهيه بل حدّ حدودًا, وطرقًا لذلك, وما دام الشرع قد قضى بوسائل محددة للحفاظ على هذه الضروريات: فلا يحل ابتداع وسائل لم ينص عليها الشرع أو ليس لها أصل فيه، والتشريع بمحض الهوى بحجة الحفاظ على هذه الضروريات: باطل .
ولذلك قال ابن قدامة_ رحمه الله_ عن الاحتجاج بـ"المصلحة"في الضروريات:
[ والصحيح: أن ذلك ليس بحجة لأنه ما عُرفَ من الشارع المحافظة على الدماء بكل طريق, ولذلك لم يشرع المثلة وإن كانت أبلغ في الردع والزجر, ولم يشرع القتل في السرقة, وشرب الخمر, فإذا أثبت حكمًا لمصلحة من هذه المصالح لم يعلم أن الشرع حافظ على تلك المصلحة بإثبات ذلك الحكم المبتدع: كان ذلك وضعًا للشرع بالرأي, وحكمًا بالعقل المجرد ] (1) .
وقد سبق معنا قول الآمدي: [ وهذا القسم متردد بين ذينك القسمين (2) , وليس إلحاقة بأحدهما أولى من الآخر: فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار يُعرِّف أنه من قبيل المعتبر دون الملغى ] (3) .
(1) "روضة الناظر/ 170".
(2) أي:"المصلحة"التي لم يشهد لها الشرع بالاعتبار, ولا بالإلغاء وإن كانت متعلقة بالضروريات الخمس, فهي مترددة بين"المصلحة"التي اعتبرها الشرع, وبين"المصلحة"التي ألغاها, ولم يعتبرها .
(3) "الإحكام في أصول الأحكام4/167: 168".