ـ ولا شك أن عشر معشار هذه العروض فضلًا عن ذات العروض نفسها: هي ممّا يسيل له لعاب الكثيرين اليوم من الحريصين على"مصلحة الدعوة"!, لا سيما وقد يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان بإمكانه بعد أن يستجيب له سادات قريش, وزعماؤها, وبعد أن يذعنوا له بالسيادة, والملك, وبعد أن يسلموا له زمام, وقياد أمرهم, وبعد أن يتأكد هو صلى الله عليه وسلم من استحكام الأمر في يديه: أن يستخدم هذا كله, ويوظفه لتحقيق"مصلحة الدعوة", وهذا_ بلا شك_ أسهل, وأهون من البداية بالدعوة من حيث لا شيء !!!.
غير أن هذا هو فهم مَنْ لم يفهم حقيقة الدعوة بعد رغم حرصه_ الشديد !_ على مصلحتها, فما كان للدعوة أن تسير_ ولو لحظة واحدة_ تحت شعار آخر غير: لا إله إلا الله: لفظًا, ومعنىً, فتُنفى العبادةُ في أي صورة من صورها عن كل المعبودات الباطلة التي تُنازع اللهَ سلطانه, ويُفرد اللهُ وحده بالعبادة في كل صورها, ومعانيها: الظاهرة, والباطنة مع البراءة من الشرك, وأهله .
ولذا, كان ردّه صلى الله عليه وسلم: قويًا, حاسمًا, قاطعًا كل أمل للمشركين في صرف الدعوة, وحرفها عن جوهرها .
ـ وتأمّل بعين البصيرة مع عين البصر حديثَ أم سلمة_ رضي الله عنها_, قالت:
"لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي: آمنا على ديننا, وعبدنا الله لا نؤذى, ولا نسمع شيئًا نكرهه, فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين, وأن يهدو للنجاشي هدايا ممّا يستطرف من متاع مكة, وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم, فجمعوا له أدمًا كثيرًا, ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن ربيعة بن المغيرة المخزومي, وعمرو بن العاص بن وائل السهمي, وأمروهما أمرهم, وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا للنجاشي هداياه ثم سلوه: أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم ."