فهرس الكتاب

الصفحة 1146 من 2063

ومن ثم؛ فليس للحق أو للباطل من وجود بين الناس إلا بقدر جهد حملتهما في تجسيد قيمهما في الواقع الحي الملموس .

ومن هنا: يَحصل التعارض, والتزاحم بين الفريقين: أصحاب الحق, وحملته, وأصحاب الباطل, وحملته: فيكون التدافع ولا بد .

فلا يُتصوّر_ ألبتة_ أن يعيش الحق, والباطل معًا في سلم من دون غلبة لأحدهما على الآخر أو سعي لتحقيق هذه الغلبة .

ـ ولو فرض أن الحق: استكان, وأحجم عن مزاحمة الباطل, ومدافعته_ وهو ما لا يتصور إلا عند جهل أصحاب الحق, وحملته بمعاني الحق الذي يحملون, ومقتضيات, ولوازم هذه المعاني أو لضعف تأثير هذه المعاني فيهم_ فإن الباطل لن يقابل هذه الاستكانة إلا بصولة يَستعلي بها على الحق, وأهله لمحوهم بالكلية, والقضاء عليهم أو على الأقل: تجريدهم من أهم ما يميزهم عن الباطل, وأهله عبر سلسلة من التنازلات لا تبقي لهم من الحق غير اسمه, ومن منهجه غير رسمه لينتهي بهم المطاف كجزء من مملكة الباطل, وذيل من أذياله, وبئس النهاية ! .

* وتأمّل قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنَّكم من أرضنا أو لتعودُنَّ في ملتنا } [ إبراهيم: 13] .

فهي آية عجيبة تُجمل لنا حقيقة العلاقة بين الحق, والباطل, وتَجمع لنا كل المفاهيم, والسنن التي تحكم هذه العلاقة, فهو تدافع حتمي لا مناص منه إذ الأرض لا تحتمل اجتماع الفريقين بغير منازعة إلا أن يتنازل أحدهما عن أصل ما معه .

والآية تقرر الصفة الثابتة المستقرة للباطل في مواجهة الحق على مدار التاريخ, فهي صفة لازمة للباطل متى كان, وأينما كان إذ لفظ: { الذين } في الآية من أظهر ألفاظ العموم, فالمراد: جميع الذين كفروا: متى كانوا, وأينما كانوا, وأيًا كان كفرهم.

فليس لأهل الإيمان من الرسل, وأتباعهم عند ملل الكفر قاطبة إلا أحد خيارين: إما أن يخلوا لهم الأرض_بالقتل والتصفية, والتشريد, والطرد, والإبعاد_ ليعيثوا فيها كفرًا وفسادًا, وإما أن يتنازلوا عن الحق الذي معهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت