فهرس الكتاب
ــ ونكتة المسألة: أن مجرد رؤية أهل الباطل للحق وإن كان الحق في أضعف حالاته, وأعجزها: تُذكّر أهل الباطل بباطلهم, وتنغص عليهم تمتعهم بشهواتهم البهيمية, وتشهد عليهم بما لا يحبون بل وتُوقفهم مع أنفسهم لتفضح هذه الأنفس, وتبين ضعفها, وزيف قوتها, وذلتها الشديدة حيث غدت عبدةً ذليلة, مهانةً لشهواتها, وأهوائها, وما يتبع ذلك_ ولا بد_ من عبودية حقيرة للمخلوق .
* قال تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِالله وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } [ المائدة: 59 ] .
فنقمتهم على المؤمنين_ كما تصرّح الآية_ لا سبب لها غير قيام المؤمنين بدينهم, وتمسكهم به مع عدم قدرتهم هم على فعل الشيء نفسه لفسقهم المانع لهم من ذلك .
* وتأمّل قوله تعالى عن قوم لوط: { ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } [ الأعراف 80: 82 ] .
{ أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } : ردٌّ عجيبٌ, غريب إلا أنه في الوقت نفسه معبّر تمام التعبير عن نفسية أهل الباطل في كل زمان, ومكان, وذلك من وجوه:
فالآية_ أولًا_: معبّرة عن تشبع, وامتلاء نفوس أهل الباطل بباطلهم وإن كان هذا الباطل من أعظم ما تنفر منه الفطر: قبحًا, واستهجانًا, وقد قال تعالى: { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } .
والآية_ ثانيًا_: معبّرة, وفاضحة, وكاشفة لذلة هذه الأنفس, وضعفها بل ومهانتها الشديدة أمام رغباتها, وحظوظها وإن كانت هذه الرغبات, والحظوظ في النهاية من الخسّة, والدناءة .