فهرس الكتاب
والآية_ ثالثًا_: تبين أن هذا العداء, والحقد الشديد لأهل الحق ليس له من سبب في نفوس أهل الباطل غير انتساب أهل الحق لـ"الحق", وتمسكهم به, فجُرْمهم, وذنبهم الذي يُؤخذون عليه بالنواصي, والأقدام: { إنهم أناس يتطهرون } .
ففي حين: يرتكس أهل الباطل في باطلهم, ويتكالبون عليه: فإن أهل الحق مع ضعفهم_ عددًا, وعدة_ قد تعالوا, وارتفعوا عن شهوات النفس المختلفة, ورغباتها المتعددة كما تعالوا, وارتفعوا عن الأوهام, والأوهاق, وسموا بعيدًا تاركين الجيف لكلابها .
وهذا ممّا يملأ قلوبَ أهل الباطل: حقدًا, وغيظًا تتقطع معه نفوسهم حيث هذا العلو, والسمو_ والذي لا يستطيعونه_: يُذكّرهم, ويَشهد عليهم: بانحطاطهم, وسفلهم .
فيودون أن لو فُتنَ أهلُ الحق عن حقهم كما قال أصدق القائلين, وأعلمهم بما في الصدور: { ودوا لو تكفرون كما كفروا: فتكونون سواء } .
ولذا: فإن أهل الباطل لا يجدون أمامهم_ فرارًا ممّا يجدون_ غير التمادي في سياسة البطش, والتنكيل بل والمغالاة في هذه السياسة إرضاءً لأنفسهم المهزومة, وانتصارًا لها .
* وقد قال تعالى_ أيضًا_: { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة } [ التوبة: 8 ] .
فطبيعة الباطل الثابتة أنه إنْ كانت له الغلبة والظهور على الحق: فإنه لا يُراعي حرمة، ولا يحفظ عهدًا بل ليس غير البطش, والجبروت, والطغيان, والولع بسفك الدماء, وانتهاك كل المحرمات تشفيًا من الحق, وأهله, والتاريخ, والواقع: خير شاهدين .
وقد سبق بأن سبب هذه العداوة المستحكمة من أهل الباطل لأهل الحق: هو نفسه انتساب أهل الحق لـ"الحق", وتمسكهم به لا غير, ومن ثم: فليس لهذه العداوة عند أهلها من رافع إلا أن يتخلى أهل الحق عن"الحق", ويشاركوا أهلَ الباطل:"الباطل", وهو ما نصت عليه الآيات المحكمات الكثيرة التي مرّت معنا, وكررته مرارًا .
وقد قيل:
كل العداوات ترجى مودتها… إلا عداوة من عاداك في الدين