هذا, وقد نفت الآية التسوية بين المجاهدين وبين القاعدين مطلقًا سواء كانوا معذورين أم غير معذورين, فهيهات أن يُساوى قاعد بمجاهد في شرع الله ودينه فضلًا عن أن يتقدمه !!! .
وهؤلاء القاعدون الذين فُضِّلَ عليهم المجاهدون قد يكونون قائمين بغير الجهاد من أعمال البر, والطاعات كالدعوة, والعلم, وتهذيب النفس, وتربيتها, وغير ذلك ممّا يدخل في المعنى العام الجهاد, ومع ذلك: فُضّلَ عليهم المجاهدون, المقاتلون في سبيل الله بأموالهم, وأنفسهم, فدل ذلك على أن القتال في سبيل الله: لا يعدله شيء من هذه الأعمال مهما عظمت في أعين أصحابها, وإن نُسِبت للجهاد بمعناه العام .
* وقال تعالى: { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ } [ الصف: 1_4 ] .
قال ابن جرير_ رحمه الله_: [ واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية, فقال بعضهم: أنزلت توبيخًا من الله لقوم من المؤمنين تمنّوا معرفة أفضل الأعمال, فعرفهم الله إياه, فلما عرفوا, قصروا: فعوتبوا بهذه الآية ...
ثم ساق ابن جرير بسنده عن ابن عباس_ رضي الله عنهما_, قال:"كان ناس من المؤمنين قبل أن يُفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه, فنعمل به, فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إليه: إيمان بالله لا شك فيه, وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان, ولم يقروا به, فلما نزل الجهاد: كره ذلك أناس من المؤمنين, وشق عليهم أمره, فقال الله: { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } ".